الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 لا نقف طويلا أمام الضجة التي أثارتها إسرائيل ثم أميركا حول المسلسل التليفزيوني (فارس بلا جواد) الذي قيل إنه يتضمن معالجة فنية لكتاب ثار حول حقيقته خلاف طويل وهو بروتوكولات حكماء صهيون الذي يقول اليهود إنه ليس من صنعهم بل من صنع المخابرات السوفييتية التي أرادت - كما يزعمون - أن تنسب إليهم التآمر لحكم العالم والسيطرة على مقدراته. الضجة التي أثارها الصهاينة مفهومة، حتى وإن لم نوافق عليها، فهم يرفعون تهمة العداء للسامية لكل من اقترب من اسرائيل وتحدث عن جرائمها، فما بالك إذا كان الحديث عن بروتوكولات حكماء صهيون.. لكن غير المفهوم هو الموقف الرسمي للإدارة الأميركية التي تبنت على الفور الموقف الصهيوني، وبلغت بها البجاحة أن تطلب من الدول العربية منع بث المسلسل التليفزيوني. وتأتي البجاحة الأميركية من أنها تتحدث عن مسلسل لم تشاهده وتطلب الحجر عليه قبل بثه على شاشات التليفزيون، وقبل أن تعرف إذا كان يتضمن حضا على كراهية عنصرية مرفوضة، أم لا؟ وتأتي البجاحة الأميركية من تنكرها لكل حديثها عن الديموقراطية والحريات، وهجومها على الدول العربية والإسلامية باعتبارها نشازا في عالم الحرية وحقوق الإنسان الذي تدعي أنها ستفرضه على العالم.. وعلى العرب والمسلمين أولا. فإذا بها تنسى كل ذلك في أول اشارة صهيونية، وتطلب من الحكومات العربية الحجر على عمل فني مهما كانت الأسباب. التدخل في الشئون الداخلية وتأتي البجاحة الأميركية في تعاملها مع الحكومات العربية بهذا التعالي الذي يعتبر التدخل في الشئون الداخلية لهذه الدول أمرا مباحا، واصدارا لتعليمات لها شأنا طبيعيا، واطلاق التهديدات في وجهها وإذا فكرت في الخروج من بيت الطاعة الأميركية، واستخدام كل الوسائل في ذلك من التهديد بقطع المعونة الى التلويح بإسقاط الأنظمة أو حتى بإسقاط الدول نفسها أو تقسيمها. وقبل أزمة هذا المسلسل التليفزيوني كان هناك التنديد الأميركي الرسمي بحكم قضائي صدر ضد الدكتور سعد الدين إبراهيم، وقبل أسابيع كان السفير الأميركي يكتب في (الأهرام) القاهرية منددا بما يكتب في الصحافة المصرية ومطالبا بقيود على الأصوات المعارضة للسياسات الأميركية الإسرائيلية! وإذا كانت السلطات في البلاد العربية لم ترضخ لـ (توجيهات) أميركا، وقامت ببث المسلسل التليفزيوني، فإن القضية ستظل أكبر من المسلسل الذي أرى - شخصيا - أنه إذا كان قد استند لبروتوكولات حكماء صهيون فإن ذلك لن يضيف له شيئا، لأن الواقع أشد مرارة منها، ومائة عام من استباحة الدم العربي واغتصاب الأرض وإبادة الفلسطينيين أقوى ألف مرة من روايات يختلف الناس حولها. ومع ذلك فمن حق من صنعوا المسلسل أن يقدموا رؤيتهم، وأن نراها، وأن نقف ضد أي محاولة لوأد ما أبدعوه خاصة إذا كان مبدعو العمل يملكون رؤية قومية واعية لا شك فيها، فمؤلفه هو الزميل محمد بغدادي ونجمه هو محمد صبحي الذي امتعنا في السنوات الأخيرة بأعمال جمعت بين المتعة والفكر والموقف الوطني. ننتظر المسلسل التليفزيوني لنتابعه، ولكن المسلسل الأميركي لا ينتظرنا.. فها هو يتقدم خطوات على طريق استباحة كل ماهو عربي. وإذا كان الضجيج قد أبرز البجاحة الأميركية في قضية المسلسل التليفزيوني، فإن الصمت يحاول أن يلف الجريمة الأخطر التي لحقت بالعرب في نفس الوقت ومن نفس المنطلق.. الاستهانة بالعرب وانتهاك كل حقوقهم وتحويل أوطانهم الى ساحة مباحة للأميركان كما هي فلسطين ساحة مباحة للإسرائيليين.. يقتلون ويدمرون ويذبحون ثم يعتبرون كل ذلك دفاعا شرعيا عن النفس! النموذج الاسرائيلي إن ماجرى في الأسبوع الماضي على ساحة اليمن الشقيق خطير خطير، ومهما كان الصمت الرسمي العربي الذي قوبل به.. فإننا أمام تطور بالغ الأهمية يفتح الباب لتطورات تنقل الصراعات في المنطقة نقلة نوعية، وتقربنا من مواجهة سيكون ثمنها - في كل الأحوال - باهظا. فقد أعلنت المخابرات الأميركية أنها هي التي قامت بعملية اغتيال ستة من اليمنيين على أرض اليمن وفي محافظة مأرب على بعد 200 كيلو متر شرقي العاصمة صنعاء. وقالت المخابرات أن طائرة أميركية بلا طيار قصفت صاروخين على سيارة كان يستقلها اليمنيون الستة الذين (تشتبه) أميركا في انتمائهم لتنظيم (القاعدة) وعلى رأسهم أبو علي الحارثي الذي (تشتبه) أميركا في تورطه في عملية تفجير المدمرة الأميركية (كول) في أكتوبر عام 2000، والذي أسفر عن مصرع 17 جنديا أميركيا. وبينما التزمت السلطات اليمنية الصمت، قال وزير الدفاع الأميركي إنه في ضوء المعلومات عن (الحارثي) فإن التخلص منه أمر طيب للغاية. وهكذا أصبحنا أمام نهج جديد تتحول بمقتضاه الأرض العربية إلى ساحة للعربدة الأميركية كما تحولت فلسطين إلى ساحة للعربدة الإسرائيلية.. وحيث سلطة الاحتلال تحدد (المشتبه فيهم) فيصبحوا (مطلوبين) للاعتقال أو الاغتيال. إن تعميم النموذج الإسرائيلي - الفلسطيني في أسوأ أوضاعه ليصبح هو النموذج الذي تطبقه أميركا على أرض العرب لا يعني فقط ازدياد الهيمنة الأميركية على شئون المنطقة، ولكنه يفتح أبوابا للانهيار السريع في منطقة تمثل أوضاعها قنبلة قابلة للانفجار في أي وقت بكل مايمثله ذلك من أخطار قوية واقليمية وعالمية. - إن ماحدث يعني أن قضايا الأمن الداخلي في بلاد عربية قد أصبحت شأنا داخليا. فقرار اغتيال اليمنيين على الأرض اليمنية اتخذه - كما قالت المصادر الأميركية نفسها - الرئيس بوش بنفسه وحدد توقيته ليواكب الحملة الانتخابية الناجحة التي قادها لمصلحة الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس وحكام الولايات. وسواء تم ذلك بموافقة يمنية أو دونها فالنتيجة واحدة وهي أن ملف الأمن الداخلي في قطر شقيق قد انتقل إلى يد أميركا! - إن ماحدث على أرض اليمن الشقيق يعني انكشاف الأمن الوطني والقومي للدول العربية بصورة لم نشهدها من قبل. خاصة عندما يترافق ذلك مع اعلان واشنطن عن بدء حملتها لاحتلال العراق وتأكيدها أن قيادة عملية ضرب العراق وتدميره واحتلاله قد انتقلت إلى قاعدة (العديد) حيث يتم حشد القوات مع انتقال كبار ضباط القيادة المركزية الأميركية إلى المقر الجديد. وفي نفس الوقت تتواصل المناورات العسكرية بين القوات الأميركية وأكثر من دولة عربية تتواصل حدودها أو تقترب من هدف الضربة المقبلة.. أي العراق. وفي الوقت الذي تتخذ فيه المملكة العربية السعودية (وهي الحليف التقليدي للولايات المتحدة الأميركية) موقفا رافضا للعدوان الأميركي على العراق وتعلن أن القواعد العسكرية الأميركية على أرضها لن يسمح باستخدامها في الحرب ضد العراق.. وهو أمر يزداد فهمه في ضوء الانباء عن تدريبات يجريها الجنود الأميركيون في إسرائيل لضرب احياء مشابهة لاحياء بغداد، وفي ضوء الخبرة الإسرائيلية في احتلال وتدمير المدن الفلسطينية! لكن غير المفهوم هنا أن يترافق ذلك كله مع اعلان دول عربية أخرى عن مناورات غير (محددة المدة)!! مع القوات الأميركية التي تحتل نصف أراضيها وتحرم دخولها على مواطني هذه الدولة وتستخدم مواردها لتجهيز الطرق ومهابط الطائرات على حدود العراق.. ويتم اعلان ذلك بفخر شديد!! - إن ماحدث في اليمن من انتهاك أميركي للسيادة الوطنية، ومايجري في دول عربية يجري اعدادها لتكون منطلقا للعدوان على العراق لا يعني الا التصميم الأميركي على ادخال المنطقة في حالة فوضى شاملة بهدف تقويض ماتبقى من النظام العربي.. ليس بهدف اصلاحه ولكن ليتم تنفيذ الخريطة الأميركية للمنطقة بما تعنيه من تقسيم جديد للدول العربية واقامة دويلات خاضعة للهيمنة الأميركية. ومن هنا فإن العراق لا يمكن أن تكون الهدف الأخير للحملة الأميركية بل هي نقطة انطلاق يجري اعداد الساحة حولها للمزيد من الخطوات القادمة لتحقيق الهدف الأميركي. الفوضى المخططة إن الولايات المتحدة الأميركية تعلم أن وجود قواتها على الأرض العربية هو استفزاز للمشاعر الوطنية وأن ما قامت به من انتهاك للسيادة الوطنية في اليمن هو عمل لابد أن يقابل بالثأر منه، وأن حدوث ذلك وسط مناخ تستعد فيه لضرب العراق، وتترك لإسرائيل مهمة إبادة الشعب الفلسطيني مع توفير الحماية الكاملة لها وشغل العرب بمشروعات وهمية لتسوية تعرف جيدا أنها لن تتم.. إن ذلك كله لا يعني إلا شيئاً واحداً وهو جر المنطقة إلى حالة تسميها أميركا (الفوضى المخططة) حيث تقوم بخطوات عدوانية تنتظر الرد عليها لتصعد من عملياتها لإخضاع المنطقة العربية كلها - كما قلنا - إلى تكرار للنموذج الفلسطيني يتم اخضاعه بالقوة وتدميره بانتظام وإدخاله في نفق مظلم ريثما تستكمل الامبراطورية الأعظم هيمنتها على المنطقة والعالم. إن الولايات المتحدة تعرف جيدا أن وجود قواتها العسكرية على الأرض العربية لن يكون محل ترحيب وهي تستهدف تدمير وطن عربي واحتلاله، وأن رد الفعل الشعبي على ذلك لابد أن يكون عدائيا. والولايات المتحدة تعرف أن انتهاكها لسيادة الدول العربية وارتكابها لجرائم قتل ضد مواطنين عرب داخل أوطانهم بدعوى أنهم (مشتبه فيهم) سوف يكون رد الفعل عليه موجات من العنف المتبادل والفوضى التي ستضرب في المنطقة وخارجها. والولايات المتحدة تعرف أنها تضع الحكومات العربية الصديقة لها في وضع بالغ الحرج بين قبول الاملاءات الأميركية بكل ما فيها من مهانة وابتزاز، وبين رأى عام عربي يرى حجم المؤامرة على الأمة العربية، وحجم العجز عن مواجهتها، ولا شك أن رد الفعل الشعبي لن يكون الهتاف بحياة أميركا ولا حلفائها. ووزراء الخارجية العرب الذين يجتمعون اليوم في رحاب الجامعة العربية بالقاهرة يدركون جيدا حجم المخاطر التي تواجهها الأمة وهي تساق الى حالة من (الفوضى المخططة) التي تدمر كل شئ، وتأخذ في طريقها ماتبقى من النظام العربي الحالي. ولا شئ يوقف التدهور الخطير إلا موقف عربي جاد يتحمل المسئولية ويحاسب المخطئ ويعيد تنظيم البيت العربي بسرعة وقبل أن تداهمه الأحداث القادمة بقسوتها وضراوة نتائجها. ولن توقف أميركا مخططاتها إلا إذا أدركت أنها تواجه هذا الموقف، وأيقنت أن قواعدها على الأرض العربية لا يمكن أن تستخدم في عدوان على بلد عربي، بل إن وجود هذه القواعد نفسها لابد أن يخضع للمراجعة، ولن تتراجع أميركا عن عدائها للأمة إلا إذا أدركت أن مواثيق الجامعة العربية مازالت قابلة للحياة، وأن الشعوب العربية ستحاسب حكامها على مدى التزامهم بها أو خروجهم عليها. فلنوقف الضجة المفتعلة حول مسلسل تليفزيوني شغل حتى وزراء خارجيتنا، ولنركز الجهود على مواجهة مسلسل العدوان الأميركي - الإسرائيلي. وليكن اجتماع اليوم في القاهرة خطوة نحو قمة عاجلة واستثنائية تضع كل الأنظمة العربية أمام مسئولياتها، وتنهي هذا الوضع المأساوي الذي يقال فيه للشعوب شئ، ويقال في الغرف المغلقة شئ آخر. وترتكب فيه الولايات المتحدة كل الجرائم ضد الأمة ثم يخرج علينا مسئولون عرب يحدثوننا عن صداقتنا الأبدية، وتحالفنا الاستراتيجي معها وتواصل فيه اسرائيل حرب الإبادة على شعبنا الفلسطيني بينما البعض مازال يتحدث بالعربية - للأسف الشديد - عن سلام الشجعان! ـ نائب رئيس تحرير «اخبار اليوم» المصرية