الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 مثل تركيا بات رجب اردوغان في مفترق طرق. أزمة تركيا المزمنة أنها تعاني جميع أعراض إنفصام الشخصية. من الثابت أن تلك الأزمة ناجمة عن لعنة المكان. تركيا بلد منفصم الهوية على نحو يربك طموحاته. وطن جذعه في آسيا ورأسه في أوروبا. تركيا ليست إستثناء فهناك أقطار عدة تواجه مأزقاً محتقناً تحت وطأة موقعها المكاني. بعضها ظل نهباً للانفصام وبعضها تدهورت حالته لجهة التشتت وربما ذهب أبعد من ذلك فضربه مس من التمزق. اردوغان وجد نفسه في غمرة إنجازه السياسي الاستثنائي في مأزق بالغ التعقيد. كما هو الوطن فإن الزعيم السياسي غير قادر على الرجوع الى الماضي كما يريد او الهروب الى الامام كما يشتهي الاتراك. تركيا ضحية الانفصام المكاني. ربما يصبح اردوغان ضحية الانفصام الزماني. تحت ضغط الزمن يترقب الشعب من زعيمه الجديد قطافاً دانية. فصام اردوغان يبدأ من عجزه عن الاستمتاع باستحقاق نصر سياسي نادر. اذ هو محروم من رئاسة حكومته! الازمة تتعقد في حالة اختيار رجل ضعيف فمن شأن ذلك ان ينعكس على اداء الحكومة حتما. كما أن ازمة اردوغان تزداد تعقيداً مع وجود شخصية قوية في رئاسة الحكومة. وجود مثل هذه الشخصية يفتح الاحتمالات واسعة امام التصادم بين زعيم الحزب ورئيس الحكومة. الاحتمالان يشكلان بذرة تآكل نجاح الحزب الاستثنائي. هكذا تكون معركة اردوغان الاولى داخل بيته وحسم هذه المعركة على نحو صارم يؤشر للمواجهات التي سيخوضها الرجل حتما على جبهات عدة وكلها ساخنة. فالمؤسسة العسكرية التركية تمثل خصماً عنيداً وجاهزاً لا يمكن إلا الاصطدام معه. جنرالات الجيش الذين نصبو أنفسهم حُراساً للاتاتوركية والعلمانية يتربصون باردوغان وحزبه لينغصوا على حزبه كما فعلوا مع نجم الدين اربكان قبيل نهايات القرن الفائت. لئن افلح اردوغان وحزبه في عصرنة الخطاب الاسلامي السياسي على نحو يؤكد فصل الدين عن الدولة ومساواة الجنسين واستبدال الليبرالية بالعنف فإن فوز حزبه بأغلبية مطلقة يجعله في بداية المشوار. من هنا يبدأ الجهاد الاكبر للحزب فمعركة الانتخابات كانت جهاداً اصغر. من الصعب الجزم بأن فوز حزب العدالة يعني بالضرورة انحياز الشعب التركي لبرنامج الحزب في صيغته الاصولية. لنعترف هنا بأن الحزب ربح في معركته أصوات ثلث الناخبين الاتراك بمعنى انه يواجه ثلثي الشعب. في المعارك الانتخابية تتقاطع عناصر وتوجهات لتشكل النتيجة النهائية. بين الناخبين الاتراك من يرفض فساد الطبقة السياسية التقليدية التي ظلت جاثمة على صدر الشعب والسلطة. اردوغان وجه جديد يقود حزباً جديداً في الحلبة السياسية التركية فهذا عنصر لا يمكن اغفاله. كما هو احتفاظ اردوغان بزمام السلطة التنفيذية بين يديه امرمهم رغم غيابه عن التشكيل الوزاري فإن الضربات الاولى التي تسددها الحكومة المرتقبة تمثل معياراً بالغ الحساسية لاحتفاظ الحزب بطاقته على الانطلاق نحو غاياته والاحتفاظ في الوقت نفسه بوهج شعبيته متوقداً. هذه الشعبية هي الجدار الذي يسند اردوغان ظهره اليه في معاركه الداخلية خاصة مع الجنرالات، والخارجية خاصة مع الاتحاد الاوروبي والاطلسي واميركا وروسيا. اردوغان مجبر في فصامه الشخصي على عبور حقل الغام بفعل فصام تركيا المكاني. قد تشبع خطوات على طراز منح المرأة حق الحجاب نهم بعض من قادة حزب العدالة وقاعدته لكنها لن تشبع قطاعاً عريضاً من الاتراك الذين يراهنون على تحسين الوضع الاقتصادي المتردي. العديد من الاتراك يرون في فتح ابواب النادي الاوروبي امامهم حلماً يمكن ان ينقلهم من العالم الثالث الى مصاف الدول الكبرى. بين هذا الحلم التركي وطموحات حزب العدالة تتقاطع مصالح عديدة. اذا كان اردوغان اكتفى من الفوز الاستثنائي بالزعامة الشعبية بعيداً عن هرم السلطة فإنه مطالب كذلك بتضحية اخرى تتمثل في تأجيل غايات الحزب من اجل رغبات الشعب الآنية. حزب العدالة يمثل حصان رهان لاحزاب اسلامية ترغب في عصرنة نفسها او اكتشفت ضرورة استبدال ثيابها التقليدية. قدرة اردوغان على الاحتفاظ لهذا الحصان بمكانته في الصدارة تمثل تحدياً اقليمياً حقيقياً يمكن ان يعيد لتركيا شيئاً من ريادتها في المنطقة. ضخامة التحدي يمكن ان تجعل من اردوغان رجل تركيا المريض وربما القتيل في غضون حيز زمني ضيق عتبته الاخفاق في تقديم الرجل المناسب لرئاسة الحكومة، وهو رجل يفترض فيه موهبة الحفاظ على التناغم بين الحزب والسلطة. اكثر من ذلك بينه وبين زعيم الحزب، اما سقف ذلك الاطار الزمني فهو مفتوح على كل الاحتمالات.