السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 هي المرة الاولى على الاطلاق التي اسمع فيها مسلماً يطلق على قتلى حركة التمرد في جنوب السودان ـ وهم ليسوا مسلمين اسم «شهداء». ومن يعش ير! ورد ذلك في مقالة نشرت باحدى الصحف العربية للكاتب السوداني الاستاذ ابوبكر القاضي. والحكم الذي اصدره الاستاذ ابوبكر ليس بلا مرجعية. فقد احتكم الى ما أسماه «القاموس السياسي السوداني» الذي بموجبه اسبغ لقب «الشهادة» على شخصيات سياسية بارزة من بينهم جنوبي مسيحي وشمالي شيوعي. وبالطبع فإن الاستاذ ابوبكر حر فيما يختار. لكن شخصياً كمسلم انحاز الى «القاموس» القرآني.. فأقول ابتداء ان قتلى حركة قرنق ليسوا مسلمين أصلاً فضلاً عن ان ينالوا الشهادة. هم قوم لا مسلمين يقاتلون قوماً مسلمين. غير ان الانصاف يقتضي ان نستعيد الى الذهن ان الكاتب عبر عن قناعة بأن الحرب الدائرة في جنوب السودان حرب ليست دينية.. وان المسلمين الشماليين المقاتلين ليسوا مجاهدين. وهذه وجهة نظر جديرة بالمناقشة لانها تغير نقطة محورية: هل هي حقا حرب غير دينية؟ ان أول من ينهض ليعترض على قناعة الكاتب المؤسسة الكنسية الغربية ممثلة في مجلس الكنائس العالمي وتحالف اليمين المسيحي ـ اليهودي. واذا كان الكاتب يذكرنا بأن عمر الحرب الدائرة يبلغ الآن نحو نصف قرن فانني اذكره بدوري انه لمدى اكثر من قرن منذ خضوع السودان للادارة الاستعمارية البريطانية وما بعد ذلك ظلت مسألة جنوب السودان مرتبطة عضوياً بالمؤسسة الكنسية الغربية. لقد اشار الاستاذ ابوبكر في معرض تحليله للاسباب الجذرية لمشكلة جنوب السودان الى السياسة الاستعمارية للادارة البريطانية. لكن كان غريبا ان يغفل الاشارة في هذا السياق الى التنصير الجماعي لاهل الجنوب الذي كان المرتكز الاساسي للسياسة البريطانية. ولابد ان الكاتب يعلم انه بمقتضى هذه السياسة اغلقت الادارة البريطانية الجنوب بعد ان سلمته ثقافيا ودينياً الى هيئات كنسية غربية لتمارس حريات كاملة في التبشير والتعليم المدرسي، ولهذه الغاية قسم الجنوب جغرافيا الى «مناطق نفوذ» توزعتها فيما بينها كل من الكنيسة الانجليكانية والكنيسة الكاثوليكية والكنيسة البروتستانتية الاميركية، وفي اطار هذه السياسة حظر على الشماليين المسلمين اقامة الصلاة خارج منازلهم مع حظر استخدام اللغة العربية للتخاطب بين الجنوبيين في دواوين الحكومة.. واستبدال التجار الشماليين المسلمين بتجار يونانيين وشوام مسيحيين. كان الهدف الاستراتيجي النهائي للادارة البريطانية هو فصل الجنوب لتقام عليه دولة مستقلة على مرتكزي الثقافة الانجليزية والتنصير المسيحي ولايزال هنا هدف المؤسسة الكنسية العالمية راهناً. ولكن لماذا غيرت بريطانيا سياستها؟ بعد 20 عاما من تطبيق سياسة «اغلاق» جنوب السودان (1925 ـ 1945) اكتشفت الادارة البريطانية ان النتائج التي كانت مرجوة من هذه السياسة لم تثمر الا نجاحا محدودا متواضعا، فقد بقيت الغالبية العظمى لأهل الجنوب على حالتها الوثنية واتسع نطاق استعمال اللغة العربية (المكسرة) كوسيط تخاطبي خارج العمل الديواني الرسمي. لكن الاكتشاف الاكبر كان ان الجنوب لا يملك المقومات الارتكازية الرئيسية لقيام دولة مستقلة. فالجنوبيون يتحدثون اكثر من 125 لغة قبلية.. وهم في اجمالهم قبائل متحاربة مستواها الحضاري اقرب الى مجتمع العصر الحجري، وبالتالي يحتاج الجنوب الى عشرات السنين ليفرز قوة انتاجية بشرية بمستوى قومي. وفي اجتماع تاريخي حاسم للاداريين البريطانيين في الجنوب عام 1946 ترأسه السكرتير الاداري سير جيمس روبرتسون تبلور استخلاص نهائي بأن الجنوب لن يستطيع الاعتماد على نفسه. وعلى هذا الاساس طرح خياران: اما ان يقسم الجنوب الى اجزاء يضم كل جزء منها الى الدول الافريقية المجاورة وفقا للانتماءات القبلية.. وإما ان يدمج مع الشمال نهائيا ليظل معتمدا اقتصاديا على الشمال الى ما شاء الله. وصار الخيار الثاني خيارا أوحد بعد ان رفض الحكام البريطانيون في بلدان شرق افريقيا (كينيا ويوغندا وتنجانيقا) الخيار الاول على اساس ان اهل جنوب السودان شديدو التخلف بالمقارنة مع شعوب شرق افريقيا. من هنا كانت فكرة «مؤتمر جوبا» في عام 1947. فاستكمال الوحدة بين الجنوب والشمال قرار بريطاني مسبق. وبالتالي كان عقد «مؤتمر جوبا» قراراً اتخذه سير جيمس روبرتسون لتسويق فكرة الوحدة وترويجها. لكن منذ الوهلة الاولى اعترضت الكنائس الغربية في الجنوب على قرار الوحدة. وبقيت تتحين الفرص لاستثمار نفوذها اعتمادا على مصدرين للقوة: ولاء نخبة جنوبية مسيحية.. وسيطرة احتكارية على التعليم المدرسي.