السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 السودان بلد المليون ميل مربع بما يماثل مساحة كل دول غرب أوروبا، بات مهددا في الوقت الراهن وعلى المدى القريب بإنسلاخ جنوبه عن شماله كمرحلة إفتتاحيه لإمتداد الكارثة الإنفعالية إلى الشرق والغرب إيذانا بشرذمة الكيان السوداني إلى دويلات عرقيه متناحرة، وإنفراد أميركا بمقدراتها كما لو أنها محميات تدور في فلكها وتأتمر بتعليماتها وتنفيذ سياساتها. ومن المتعين علينا كعرب شعوبا وحكاما بالتالي أن نتساءل: هل بوسعنا قطع الطريق على الهجمة الأميركية الشرسة التي يتعرض لها السودان بعد أن أسفرت عن نواياها العدائية المبيته عبر قانون سلام السودان الذي شرعه الكونجرس ووقع بنفاذه الرئيس بوش مؤخرا؟ فهذا القانون الجائر يستهدف شل إرادة النظام الحالي في السودان وإذعانه لشروط السلام الأميركي مع فصيل لا يمثل كل أبناء الجنوب، وإلا فالويل له والثبور وعظائم الامور.. بداية بالمقاطعة والحصار الاقتصادي والدبلوماسي، والتهديد بفتح ملفات إنتهاك حقوق الإنسان وإلى حد الإتهام بممارسة الرق، نهاية بدعم حركة التمرد سياسيا وماديا وعسكريا في حدود 300 مليون دولار على مدى ثلاث سنوات، لكأن الحركة الشعبية التي تقود التمرد في جنوب السودان منذ عام 1983 بزعامة العقيد جون قرنق أصبحت على قدم المساواة مع إسرائيل في إستئثارها بالإنحياز الأميركي السافر ضد الفلسطينيين ! والشاهد أن الرصد الأمين والتحليل الموضوعي لممارسات نظام الإنقاذ الخاطئة التي وصلت بالسودان إلى حافة الهاوية والضياع يصعب على الحصر والوصف، لكن لأن القضية باتت تتعلق بمصير السودان في هذا الظرف العصيب، وتحتاج ـ ولا خيار آخر ـ أن يتحشد الجميع نظاما ومعارضه ومختلف منظمات المجتمع المدني لإنقاذ الوطن بشكل جاد ومسئول، من هنا نحسب أنه من رابع المستحيلات أن يتداعى العرب شعوبا وأنظمة لشد أزر السودان وبذل التضحيات المطلوبة لإنقاذه من كارثة الإستلاب الأميركي، إن لم يثبت السودانيون أولا دورهم وأهليتهم في الاسراع إلى إنجاز صيغة سياسية جديدة وخلاقه للوحدة الوطنية. وهكذا بات على قوى المعارضة السودانية سواء في التجمع الوطني الديمقراطي بالخارج والداخل أو المستقلين مطالبون كما نظام الإنقاذ بممارسة فضيلة نقد الذات، إذ كيف تدعي المعارضة المصداقية السياسية والإنتماء الوطني، والقاصي والداني يعلم حقائق أخرى مؤلمة. لقد أدانت بعض المعارضة قانون سلام السودان الأميركي كونه ينطوي على تدخل في شئونه ووصايه مرفوضة على إرادة أهل السودان، كونهم الأولى والأقدر على حل مشكلاته، ثم كيف يستقيم الإدعاء بأن الميلشيات العسكرية الشمالية التابعة للتجمع وفي مقدمتها قوات التحالف بزعامة العقيد السابق عبد العزيز خالد المسئول عن الإستيلاء على مدينة هامشكريب من القوات الحكومية، بينما ينكر الميرغني علمه مسبقا بنوايا الاختراق لأهم مناطق الطائفة الختمية التي تدين له بالولاء الروحي في شرق السودان. وإذا كان الحزب الشيوعي السوداني قد أتهم قرنق مؤخرا بأن لديه أجندة سياسية خاصة وغامضة، فلعله وهو كان أبرز حلفائه قد حسم الشكوك حول تحليقه منفردا بعيدا عن سرب تجمع المعارضة، وضلوعه بشكل ما في سلام السودان الأميركي. على أنه في كل الاحوال لم تعد هناك جدوى ولا فاعلية في ممارسة المعارضة من الخارج، وعلى مختلف فصائلها أن تبدأ دون إبطاء في رحلة العودة إلى الوطن، فهل يقبل نظام الإنقاذ بإستيعاب مختلف الوان الطيف السياسي في حكومة قومية لإنقاذ السودان؟! ـ كاتب مصري