السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 يبدو ان ظاهرة الارهاب اصبحت من دون نقاش ولا جدال لغة العصر، ولغة الحوار بين القوى المتنازعة داخل حدود دولة معينة، وكذلك الحال بالنسبة للنزاعات والصراعات الدولية، الامر الذي استقطب اهتمام العلماء والباحثين والسياسيين حيث اصبحت تنظم مؤتمرات دولية وندوات ولقاءات علمية من اجل دراسة الظاهرة والتعرف على خلفيتها، كما اصبحت ظاهرة الارهاب تتصدر اهتمامات وسائل الاعلام بمختلف اشكالها وانواعها. فالصفحات الاولى للصحف والجرائد والمجلات وكذلك النشرات الاخبارية في مختلف انحاء العالم اصبحت تتهافت على تغطية العمليات الارهابية والجرائم التي ترتكب في المناطق المختلفة من هذه المعمورة. وهكذا فرض الارهاب نفسه وأصبح اللغة الاكثر تداولاً في العالم وأصبحت ظاهرة الارهاب من القيم الخبرية التي تعتمدها الجرائد والمجلات ومختلف وسائل الاعلام، كما اصبحت نشرات الاخبار تتفنن في تقديم صور مختلفة عن الاعمال الارهابية التي اصبحت تنشر يوما بعد يوم في دول عديدة من العالم، وكنتيجة لكل هذا تصدرت ظاهرة الارهاب كذلك قائمة جدول الاعمال وأجندة المؤتمرات الاقليمية والجهوية والدولية. اسئلة عديدة تفرض نفسها عند الكلام عن الارهاب من اهمها: ما هي اسباب الارهاب؟ ما هي اشكاله ومميزاته؟ ما هي اهدافه؟ ما هو موقعه في الخريطة السياسية العالمية؟ ما هو موقف الدول منه؟ هل هناك دول تمارس الارهاب؟ هل هناك دول تستعمل الجماعات الارهابية لتحقيق اهدافها؟ هل هناك دول تؤوي الارهاب؟ هل هناك دول او قوى تستعمل الارهاب كأداة للسياسة والدبلوماسية والضغط لتحقيق اهدافها ومصالحها والتأثير في الرأي العام. اين كانت الدول العظمى؟ وكيف كان موقفها من الارهاب قبل احداث 11 سبتمبر؟ لماذا غيرت دول عديدة كانت تؤوي الارهاب موقفها منه بعد 11 من سبتمبر؟ في السياسة الدولية اصبح الارهاب عنصراً هاماً من عناصر السياسة الدولية واصبحت قوى عديدة ومختلفة تستعمله وتمارسه لتحقيق اهدافها المختلفة ومما زاد الامر خطورة ما يلي: ان العناصر الارهابية تستغل مباديء حقوق الانسان واللجوء السياسي وتستعمل بعض الدول وخاصة الاوروبية منها كقواعد خلفية لجمع المال وتهريب الاسلحة المختلفة، وتبييض الاموال وبيع المخدرات وغيرها وهذا لجمع الوسائل الضرورية للقيام بأعمالها الارهابية والتخريبية. اضف الى ذلك ان وسائل اعلام هذه الدول ـ وخاصة الغربية منها ـ تفتح قنواتها الاعلامية المختلفة لهؤلاء الارهابيين للتجريح والشتم والقذف في بلدانهم باسم الحرية وحقوق الانسان، وتوجه على وجه الخصوص اصابع الاتهام الى دولة مثل بريطانيا حيث اصبحت العاصمة العالمية للارهاب وبدون منازع، والغريب في الامر ان بريطانيا نفسها اتهمت دولاً مختلفة لمساندتها للجيش الايرلندي. معايير تصنيف الارهاب: تتفنن الولايات المتحدة كل سنة في اصدار قائمة بالدول الارهابية مثل السودان وسوريا وليبيا وايران.. الخ، وتتناسى وتتجاهل الربيبة اسرائيل التي تتفنن دائما وتبدع فيما يسمى بارهاب الدولة واسرائيل كما لا يخفى على احد تمارس الارهاب ضد الشعب الفلسطيني وضد كل ما هو عربي واسلامي والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو على أي اساس يتم تصنيف الدول بأنها ارهابية وتساند الارهاب وما هي المقاييس التي تستعملها الولايات المتحدة الاميركية وغيرها من الدول في الحكم على هذه الظاهرة. الدول العظمى القوية والفاعلة في النظام الدولي تستعمل الارهاب علنا ضد الحركات المناهضة والرافضة للنظام داخل الدولة نفسها او على المستوى الدولي حيث انها تحاصر وتضايق الدول التي تخرج عن طاعتها وتقف امام مصالحها وهنا نلاحظ التناقض الصارخ على مستوى العلاقات الدولية حيث الكيل بمكيالين واستعمال الارهاب كوسيلة من وسائل الدبلوماسية والتواصل وتجدر الاشارة هنا الى المجموعات الارهابية التي استعملت عواصم العديد من الدول العظمى والمتقدمة ـ والتي تدعي مكافحة الارهاب ـ كقواعد خلفية لها للنشاط وجمع الاموال والدعاية. ويقوم الارهابيون عادة بالجرائم واعمال القتل والتخريب وحجز الرهائن الابرياء وخطف الطائرات للضغط على الحكومات للاستجابة لمطالبهم واهدافهم وحتى يصلون الى الرأي العام فإنهم يعتمدون على وسائل الاعلام التي تباشر في التهافت على نقل الوقائع والاحداث الارهابية والتفنن في تضخيم هذه الوقائع، وفي نهاية الامر نلاحظ ان العملية كلها دعاية وتدويل لرسالة الارهابيين الذين كانوا يعملون جاهدين على توصيلها للمسئولين والساسة واصحاب القرار والرأي العام محلياً ودولياً. ونلاحظ هنا ان الارهابيين استغلوا وسيلة استراتيجية تتمثل في وسائل الاعلام واستعملوها كوسيط للتواصل والتعبير عن مطالبهم واهدافهم. والاشكالية المعقدة التي تطرح نفسها على وسائل الاعلام هنا ما العمل وما هو الموقف الذي يجب اتخاذه؟ هل يجب القيام بالتغطية وعرض المطالب والاهداف ام مقاطعة التغطية تماماً وتجاهل الاعمال الارهابية، واذا قامت الوسائل المحلية بالمقاطعة هل ستتبعها وسائل الاعلام الاجنبية؟ واذا لم تقم وسائل الاعلام بالتغطية من يضمن عدم تسرب الاخبار وانتشار الاشاعة ثم هل يجب التركيز على الاثارة وبذلك التسطيح وتبسيط الظاهرة، ام يجب الخوض في عمق الظاهرة وخلفياتها واسبابها وتداعياتها؟ اسئلة كثيرة ومتشعبة تمس جوانب تنظيمية وامنية وأخلاقية يجب ان تطرح بجدية وتدرس بتأن لتجنب مشاكل قد تكون انعكاساتها وخيمة على المجتمع بكامله. الامر معقد ويتطلب التنسيق مع اجهزة الامن والحكومة لاتخاذ القرار السليم ومحاولة المساهمة في اقصاء وتهميش اطراف تستعمل طرقاً غير اخلاقية لتحقيق اهدافها ومصالحها على حساب أمن وسلامة الابرياء. الابتزاز والاستغلال ومن اهم الانتقادات التي وجهت لوسائل الاعلام في تعاملها مع الارهاب انها اصبحت طرفاً مهماً في ازمات وعمليات الارهاب واصبحت طرفاً يستغل لخدمة مصالح واهداف قد تتعارض تماماً مع الرسالة النبيلة للاعلام في المجتمع، فبقوتها وامكانياتها الاتصالية الهائلة تعطي وسائل الاعلام فرصة ذهبية للارهابيين للوصول الى ملايين البشر محلياً ودولياً للتعبير عما يريدونه فالقنوات الفضائية والقنوات التلفزيونية الارضية تصعد الازمات وتضخمها وتزيد من قوة آثارها وهذا من شأنه ان يخدم قضية الارهابيين والتي تكون في اساسها قد خرجت عن منطق الاخلاق واحترام أمن وكرامة ناس ابرياء لا علاقة لهم بالقضية المطروحة، القرار هنا أخلاقي ومن واجب وسائل الاعلام ان تتلخص من اي اعتبار تجاري او اي فكر تنافسي او اي سبق صحفي لان الموضوع اهم من ذلك بكثير حيث يتعلق بأمن الدولة وسلامتها وسلامة سكانها. وعلى مسئولي وسائل الاعلام النظر الى ظاهرة التفاعل والتعامل مع عمليات الارهاب بشيء من الحذر والجدية والتعمق لان فكرة حرية الصحافة والتدفق الحر للمعلومات والطاعة العمياء لمبدأ حق الفرد في المعرفة لا مجال لها عندما يتعلق الامر بأمن المجتمع وسلامته ، المطلوب هنا هو وضع مقاييس صارمة للتعامل مع الاعمال الارهابية واذا استطاعت وسائل الاعلام ان تهمش هذه الاعمال ولا تعطيها اية اهمية تذكر فإنها تخدم بذلك المجتمع بأسره وتقصي الارهابيين واعمالهم، في هذه الحالة لا يجب ان تفكر وسائل الاعلام بمنطق الربح والتجارة والتنافس ولا بمنطق الحرية وعدم تدخل الدولة في شئونها الخاصة أو غير ذلك من الاعتبارات لوضع قيود وتوجيهات للتعامل مع الارهاب. ان ضرورة تعاون اجهزة الامن والحكومة ووسائل الاعلام في كيفية التعامل مع الارهابيين وتغطية نشاطهم مهمة جداً لتجنب عملية الاستغلال وتجنب الدعاية والتضخيم والاثارة، تضافر الجهود يؤدي الى نجاح احتواء الارهاب واقصائه اعلامياً وهذا يعني موته ولان الارهاب بدون دعاية واعلام لا يساوي شيئاً ولا يحقق اهدافه. فعندما تقوم وسائل الاعلام بتغطية الاعمال الارهابية تقوم بتضخيم الأحداث وتجعلها علانية مشحونة بالانفعال والتوتر وفي الكثير من الأحيان تؤدي هذه التغطيات وخاصة التلفزيونية منها إلى تعاطف الرأي العام مع الارهابيين. وهنا تجد وسائل الاعلام نفسها امام وضع لا تحسد عليه: الحفاظ على حرية التعبير، والقيام بدور الابلاغ والاخبار واشباع مطالب الجمهور، وبين تسخير خدماتها الاعلامية للارهابيين الذين يستعملون العنف والجريمة والاعمال اللاإنسانية للوصول لوسائل الاعلام ومنها الى الرأي العام والى اكبر عدد ممكن من الجمهور داخليا ودوليا، وكما اسلفنا يجب التعاون والتنسيق بين الاطراف المختلفة لتهميش الارهابيين واعمالهم وهذا لصيانة المصلحة العامة وسلامة المواطنين وامن الدولة. وبالنسبة لمعظم وسائل الاعلام الغربية وخاصة تلك التي تركز على الاثارة وعلى بيع الغرابة والعنف والجريمة فإن الارهاب يعتبر مادة دسمة مربحة تساعد المؤسسة على زيادة المبيعات وجني ارباح طائلة، فالارهاب اصبح لغة هذا القرن وانتشر في جميع انحاء العالم، وتركز وسائل الاعلام الغربية بدرجة كبيرة على ما يحدث في الدول النامية والدول الاسلامية بدرجة كبيرة مستغلة الاثارة والجريمة لتكريس صوراً نمطية محددة وتدعيم وضع راهن فارض وجوده على العالم بأسره. لقد اصبحت وسائل الاعلام الغربية تتفنن في ايجاد علاقة وطيدة ما بين الاسلام والارهاب وما بين كل من يخرج عن طاعة اميركا والغرب. والغريب في الامر ان المهتمين من الصحافيين والمختصين في شئون الاسلام والشرق الاوسط والعرب لا يفرقون بين امور كثيرة ويمزجون بين الدول والامم ومختلف المذاهب والاتجاهات في الديانات والثقافات والحضارات المختلفة خاصة الحضارة العربية الاسلامية، وانطلاقا من الصور النمطية والافكار المسبقة والمشوهة تقوم وسائل الاعلام بتقديم اخبار ملونة الهدف منها النيل من العرب والمسلمين وربط الارهاب بالاسلام. وتأتي احداث 11 سبتمبر على سبيل المثال لتؤكد الانحياز المقصود والمتعمد ضد العرب والمسلمين، وكل ما يحدث من اعمال ارهابية في معظم الدول الاوروبية تنسب بالدرجة الاولى للعرب والمسلمين دون سابق بحث او تحريات، وعندما تكشف نتائج الاستجوابات المختلفة والحقائق والادلة القاطعة ان المسلمين والعرب لا علاقة لهم بالموضوع تتجاهل المؤسسات الاعلامية غلطتها وتنسى الاضرار النفسية والسيكولوجية والمادية التي تسببت فيها. وهنا تستغل وسائل الاعلام الارهاب لترسيخ صور نمطية معينة وتعمل على تأكيد تفوق الحضارة الغربية وتخلف باقي الحضارات ويبقى الصراع قائماً بين الغرب الذي يريد بكل الوسائل والطرق والتصرفات غير الاخلاقية اقصاء الاخرين وفرض ثقافته وافكاره وقيمه على العالم بأسره فالمنطق يقول انه لا وجود لارهاب جيد وارهاب سيء ولا وجود لروح بشرية افضل من اخرى. ـ كلية الاتصال جامعة الشارقة