السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 أيّ جديدٍ نوعياً في المنطقة العربية يمكن الكتابة عنه؟ هل هو استمرار التهديد الأميركي باستخدام القوة العسكرية ضد العراق، شاء مجلس الأمن الدولي ذلك أم أبى؟ أم هو استمرار المسألة الفلسطينية على حالها المقيد، بسلاسل حكومة شارون الباحثة عن مزيدٍ من التطرّف والعدوان ضد الفلسطينيين، وحكومة السلطة الفلسطينية العاجزة عن تسيير أعمالها الخاصة فكيف بأعمال المقاومة ضدّ الاحتلال؟ أم هل الجديد، في المنطقة العربية، هو آثار بعض العمليات التي حدثت في أماكن مختلفة من العالم، فكان لها مردود سلبي في كلّ الاتجاهات؟ انفجار بالي في إندونيسيا أشعل حقداً ضد العرب والمسلمين في استراليا، بعد أن كانت هذه القارة البعيدة تشهد مسيراتٍ شعبية ضخمة (بدعوةٍ من مؤسسات كنسية ومدنية استرالية) ضد الحرب على العراق. وعملية التفجير ضد الباخرة الفرنسية أمام الشواطئ اليمنية، ثم احتجاز الرهائن المدنيين في أحد مسارح موسكو، كلاهما حدثا في وقتٍ تصمد فيه كلّ من فرنسا وروسيا أمام ضغوطات واشنطن من أجل تعديل موقفهما المتحفّظ على الموقف الأميركي في مجلس الأمن. ثم هل من شأن قتل الأميركيين في الأردن والكويت وغيرهما أن يلجم الجموح العسكري الأميركي، أم أنه سيزيده اندفاعاً، ويعطيه المزيد من المبرّرات الدولية لمزيدٍ من التدخّل والمغامرات العسكرية في المنطقة؟! أم ربّما الجديد في المنطقة العربية هو قرار ليبيا بالانسحاب من جامعة الدول العربية .. وكأن الانتماء إلى هذه الجامعة هو أشبه بعضويةٍ في نادٍ للتسلية ينسحب منه غير الراغبين بالاستمرار في اللعبة متى يشاءون؟ ولِمَ الانسحاب فقط من الجامعة العربية، فهل الأمم المتحدة ومؤسساتها أفضل حالاً من الجامعة العربية؟ أم أن الهوية العربية أشبه بثوبٍ يتمّ خلعه من أجل ارتداء ثوبٍ آخر يتناسب مع المناخ الدولي الراهن؟ أوَليس من الأجدى السعي المتواصل لتطوير صيغة الجامعة العربية وجعلها نواةً لاتحادٍ عربي عوضاً عن «أحلام اليقظة» بإيجاد اتحادٍ أفريقي يوازي الاتحاد الأوروبي أو التجربة الأميركية؟! اعادة فرز لعل الجديد في المنطقة العربية هو ما يحدث بالخفاء من تهيئةٍ سياسية وعسكرية أميركية لإعادة خلط كيانات المنطقة وفرزها من جديد على أشكال مختلفة عما هي عليه الآن نسبياً. وهذا الخلط السياسي والعسكري، المنشود أميركياً للمنطقة، يفسّر ما يحدث الآن فيها على جبهاتٍ عديدة ومع جهاتٍ مختلفة. فمن اتفاقٍ حول جنوب السودان يعطي للجنوبيين حق اختيار الانفصال عن الوطن، إلى مشاريع مطروحة حول مستقبل العراق وفق صيغ فيدرالية، مروراً بإثارة قضايا الأقليات الدينية والعرقية في المنطقة، ومع استخدام العديد من الجماعات ذات الأسماء الدينية أسلوب العنف المسلّح بحيث لم يعد هناك وضوح ما بين المقاومة المشروعة (والمطلوبة) وبين الإرهاب المنبوذ الذي يستبيح كلّ شيء عدا أصحابه!! إن ما حدث في اتفاق ماشاكوس بشأن جنوب السودان هو نموذج أميركي لحالاتٍ أخرى قادمة في المنطقة. فالاتفاق تم بضغطٍ أميركي ورعايةٍ جزئية دولية وتغييبٍ كامل لأي طرفٍ عربي. والاتفاق جرى بين حكومةٍ تتّهمها واشنطن بالدكتاتورية التي تفرض التوحيد، وبين جماعاتٍ انفصالية مسلّحة في جنوب السودان تتلقى دعماً عسكرياً وسياسياً ومالياً من أميركا ومن أطراف أخرى في الغرب. أيضاً، الاتفاق هذا هو حول مستقبل النظام السياسي في السودان، وحول مدى العلاقة بين الدين والدولة، وبين شمال السودان وجنوبه، وبين جماعاتٍ منقسمة على أسسٍ طائفية وعرقية. وهذه عناصر موجودة الآن، وإن كانت هامدة وراكدة، في أكثر من بلدٍ عربي. منهج التناقض وفي هذا النموذج السوداني ملامح لرؤيةٍ أميركيةٍ عامّة للمنطقة العربية، حيث تتصاعد الطروحات الأميركية عن المسألة الديمقراطية (وهي دعوة حق) لكن بشكلٍ يتزامن مع أسلوبٍ باطل وهو إثارة مسألة حقوق الأقليات في الأوطان العربية، فيصبح الطرح الأميركي مزيجاً من الدعوة لإقامة تعدّدية الكيانات في البلد الواحد، مع المطالبة بإقامة تعدّديةٍ سياسية وفي إطار صيغ فيدرالية، وتكون جميع هذه التعددية الكيانية والسياسية في حال تحالفٍ وتعامل مع راعي هذه الصيغ وضامنها، أي واشنطن. هذه «الرؤية الأميركية» لمستقبل المنطقة هي ليست مجرّد استنتاجات، بل هي مضامين لمواقف وتصريحات متكرّرة لأكثر من مسئولٍ أميركي. وهي كانت وراء صيغة ماشاكوس لمستقبل السودان، كما هي الآن في المشاريع المطروحة لمستقبل العراق. واشنطن لم تعترض على استخدام أسلوب العنف المسلّح من قبل المتمرّدين الجنوبيين في السودان، وهي لن تعترض على استخدام هذا الأسلوب حينما تدقّ ساعة العمل العسكري في شمال العراق (سواء بغطاء من قرار مجلس الأمن أو عدمه)، لكن واشنطن تعترض طبعاً على استخدام الشعب الفلسطيني لأسلوب المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي!! وهذا الموقف الأميركي الحالي يتناقض مع خلاصاتٍ هامّة من تاريخ التجربة الأميركية. فاستقلال أميركا عن التاج البريطاني كان حصيلة مقاومةٍ أميركية مسلحة قادها جورج واشنطن. كذلك، في التجربة الأميركية أن أبراهام لنكولن قاد الجيش الاتحادي الشمالي ضد انفصال الجنوب الأميركي، ولم يكن موقف واشنطن آنذاك قائماً على حقّ «الجنوب الأميركي» بتقرير مصيره!! تجربة مقلوبة أيضاً في التجربة الأميركية، أن قادة 13 ولاية اجتمعوا في فيلادلفيا عام 1787 لأشهر عديدة وهم يتحاورون حول كيفية تحقيق الاتحاد والتكامل بين هذه الولايات، عوضاً عن الشرذمة فيما بينها وتلك الصراعات التي عصفت بها عقب الاستقلال الأميركي. وبرزت أسماء جيفرسون وماديسون وغيرهما كآباء للدستور الأميركي الذي استطاع أن يؤسس لبناء الدولة العظمى الوحيدة الآن في العالم. فلِمَ تمنع واشنطن الآن أيّة محاولة لتطوير صيغ التكامل العربي، بل حتى التضامن العربي بالحدّ الأدنى، وتشجّع على تجزئة الكيانات القائمة عوضاً عن الاتحاد فيما بينها؟ إن النظام الاتحادي الفيدرالي الديمقراطي الذي حصل بين الولايات الأميركية لم يأتِ عن طريق تجزئة وتقسيم كل ولاية ثم إعادة جمعها كقطع مبعثرة في لوحةٍ فيدراليةٍ واحدة .. إن العرب يريدون لأمتهم ما أراده الأميركيون للأمة الأميركية: ـ مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي من أجل التحرّر الوطني. ـ حقّ اختيار البناء الدستوري السليم المتلائم مع طبيعة الأمة العربية وحضارتها، والذي يكفل أيضاً حريات المواطنين وحقوقهم في المشاركة بصنع القرار الوطني دون أي تمييز. ـ تكامل بين أوطان الأمة الواحدة وتطوير صيغ العمل العربي المشترك وصولاً إلى النموذج الاتحادي الأوروبي، إن تعذَر الوصول الآن إلى النموذج الفيدرالي الأميركي. ـ حق رفض أيّة دعواتٍ انفصالية أو تقسيمية في كل بلدٍ عربي، وتثبيت وحدة الكيانات ووحدة الأوطان ووحدة المواطنين. الكابوس الماثل هذه هي خلاصات التجربة الأميركية في مجالات المقاومة والتحرّر، والبناء الدستوري والتكامل الاتحادي، ورفض الحالات الانفصالية، فلِمَ لا تدعو واشنطن العام كلّه للأخذ بهذه الخلاصات؟ ولِمَ لا تجعل واشنطن من تجربتها نموذجاً لشعوب العالم، فتكون أميركا فعلاً بمثابة (الحلم الأميركي) وليس كما حال سياستها الآن ممّا العالم كلّه يحذر من «الكابوس الأميركي» القادم. لعلّ الإجابة طبعاً، هي خوف أميركا من أن تعميم نموذجها يعني تعميم بناء الدول الكبرى وولادة منافسين دوليين لها، لكن هل حالت القنابل الأميركية النووية في اليابان دون ولادة المنافس الاقتصادي الياباني؟ وهل منع وجود قواتٍ أميركية في معظم دول أوروبا الغربية هذه الدول من الاتجاه نحو التكامل والاتحاد؟ وهل أنهى تقسيم ألمانيا واحتلالها عناصر القوة وروح الاستقلال وإرادة الوحدة في الأمة الألمانية؟ هذه أمثلة لأميركا علّها تتعظ بها، وهي أيضاً نماذج للمنطقة العربية كي تتمثّل بها إنْ وجدت نفسها الآن غير قادرةٍ على تطبيق خلاصات التجربة الأميركية. إن المشكلة في الأمة العربية هي في أن بعض قادتها لا يعرفون «الخيار الثالث»، فهم يقفزون من أقصى طرف إلى أقصى الطرف الآخر، رغم حديثهم أحياناً عن «النظريات الثالثة». فعلى الرغم من أن الأمة العربية هي أمة «وسطية» في تراثها الفكري الحضاري، وفي موقعها الجغرافي بين كتل العالم وقارّاته، فإن واقعها الراهن محكوم بالتطرّف الفكري والسياسي والعملي. فبعض هذه الأمة لا ينهج إلا بنهج الاستسلام للواقع، وبعضها الآخر لا يميّز بين المقاومة وأسلوب الإرهاب ويتصرّف «علي وعلى أعدائي يا رب»!! بعض هذه الأمة استباح استخدام القوة العسكرية ضد دول أخرى مجاورة بحجّة «شعار الوحدة»، وبعضها الآخر بدأ يبحث عن هويةٍ أفريقية بديلة للهوية العربية. في الحالات كلّها، تفتقد الأمة إلى مشاركة المواطن في صنع القرار الوطني. والخوف أن تنتقل هذه الأمة من دكتاتوريةٍ عربية في الدعوة للتوحيد إلى ديمقراطية أميركية في الدعوة للتقسيم ـمدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن alhewar@alhewar.com