السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 ايام هزيمة يونيو كان جيلي من سن اولاد الانتفاضة.. وايام الانتفاضة الاولى كنا من شرخ الشباب.. ومع بوادر الانتفاضة الثانية كانت خيوط الشيب تزحف الى رؤوسنا، وما فعلنا شيئاً في الحياة. غاب جيلي مع ان الظروف الحاضرة كانت تستدعيه للحضور.. فما حضر وما اندثر، الغياب هو المعادل الموضوعي لأمة لا هي على قيد الحياة، ولا هي تستجيب للموت، امة في غرفة انعاش لعقود من الزمن طويلة، ومع الغياب حالة انتظار، وأمل في رؤية ضوء في اخر النفق.. الانتظار ان طال ليس في النهاية دليل شجاعة فحين يسقط الفارس عن جواده يتمنى لو اسرع عدوه بالاجهاز عليه.. واهل الاعراف كما يخبرنا الحديث الشريف (يتمنون لو صرفوا ولو الى النار).. ومن الامثال الشعبية هناك تفضيل لوقوع البلاء على انتظاره. الغياب غروب لشمس جيل يمني النفس من يعيشون لحظتها بأن هناك شروقاً جديداً، ينتظر الناس ولا يأتي الشروق.. كما هو بنفس القدر غروب لشمس حبيب او شمس قائد مخلص يختفي وراء الافق.. وينتظر الناس ان يأتي. كم هي مريرة وطويلة ايام الغياب.. اعرف صديقا اختفى ابنه منذ اكثر من عشرين عاماً حينما كان في زيارة الى مدينة السويس. الابن وقتها كان يبلغ من العمر 15 عاماً وأبوه في الاربعين.. ترك الرجل عمله واهله وظل يبحث كالمجانين لسنوات طويلة في الحواري والشوارع.. في المستشفيات واقسام الشرطة.. لدى اجهزة الامن، يسأل كل الباعة الجائلين والعمد والمشايخ.. يفتش في اوراق الامن العام عن الذين قتلوا وسرقوا وسجنوا وكانوا ضحايا، عن الصيادين الذين غرقت بهم مراكبهم والمتنزهين الذين جرفتهم الامواج. قلب الرجل كل حجر في مدن قناة السويس وسيناء.. سنوات طويلة ما كل وما فقد الامل.. الرجل الذي قتل شبابه في البحث عن ابنه لا يصدق حتى اليوم احتمال ان يكون الولد قد مات.. فقد الجميع آمالهم إلا هو وامه.. بداخله احساس بأنه حي وانه سيأتي يوماً ليمسح عن جبينه كل مرارات الافتقاد.. يقول الرجل.. ربما يأتي ولدي وانا في النزع الاخير.. ليكون هدية الله لي في اخر ايام حياتي اكحل عيني برؤيته واموت وانا مرتاح الضمير.. وربما يكون على باب البيت حينما اكون انا على باب القبر.. ليكون كل صبري واحتسابي في ميزان الحسنات. مآسي الشعوب حينما تنتظر ما لا يأتي ليست اقل مرارة من مآسينا كأفراد، خاصة اذا كان الغائبون شهوداً على ما يجري لهم لمن يخضع للتخدير الموضعي.. لا يحسون لكنهم يرون كل ما يحدث ويسمعون، وكأنه فيلم لعملية جراحية تجري على اجساد اخرى غير اجسادهم. على الشاشات نرى الشهداء وهم يسافرون فوق محفات مكشوفة بنفس الاحاسيس التي نرى بها اعراس الحياة. الموت في النضال صاخب بنفس درجة الزواج في القرى.. اصبحنا نعيش نفسياً في ظل شخصيات حفرت حضورها رغم الغياب، متناسين ان تحققنا هو اكبر احتفاء بها.. وانه ليس من المهم ان نلوك آمال الماضي وطموحاته وانكساراته ونتعامل بألسنة مقطوعة عن الحاضر، فيما لا نفكر اصلاً في المستقبل. لا اظن ان عبدالناصر او حسن البنا او اياً من شهداء نضالاتنا، او أياً من المصلحين القدامى او الجدد سيسعد في قبره اذا خرجنا من المحيط الى الخليج عن بكرة ابينا حاملين صورة او مرددين اقواله، بقدر ما يسعده اننا نتقدم خطوة باتجاه تحررنا من ضعفنا وتحررنا من شهواتنا. «عبد الشهوة اذل من عبد الرق» كما قالت العرب، وليس هناك ضعف شخصي ولا ضعف امة، إلا اذا كانت هناك شهوة ما تتحكم فيها.. شهوة السلطة.. شهوة المال.. شهوة الحياة.. شهوة الجنس، الشهوات عادة مفتاح الضعف الانساني كما هي مفتاح الضعف الجمعي.. ليست هذه رؤية دينية بقدر ما هي رؤية انسانية، يقول الفيلسوف سبينوزا «انني اسمي العجز الانساني عن ترويض الاهواء والحد منها عبودية. لأن الانسان الخاضع لهواه لا يمتلك نفسه، بل هو موجود في قبضة اخرى، تجعله على الرغم من رؤيته للأفضل، مضطراً الى اتباع الاسوأ». مشكلتنا اننا كثيراً ما نتعلق بالقشور ونترك اللباب.. اذا كنا في اعمالنا نمثل اننا نعمل دون عمل، اذا غضبنا لا نغضب بحق، اذا اصابنا الحزن لبسنا السواد بينما تظل قلوبنا عصية على الانفطار، اذا تدينا لا نتدين باخلاص. نصلي ونرتكب الكبائر في تراتب غريب، نقبله على انفسنا دون ان يتحول ذلك الى مثار سخط عام. حقيقة لا اعرف كيف نعيش ازدواجيتنا. الاسلام نفسه دعوة للتحرر فلماذا نقبل بحياة الرق التي نعيشها. يقول الامام الشيرازي ان من تأمل في كلمة (لا اله إلا الله) يجد في هذه الكلمة رمز الحرية وجوهرها. كيف اذن نقول لا اله الا الله ثم نحس اننا عبيد.. لاميركا او للسلطة التي تحكمنا.. او حتى عبيد لضعفنا الانساني. لماذا نحن خانعون، وغائبون عن المشهد. لماذا تركنا اللوحة التي نعيش عليها ترسم بأيد اجنبية؟ لماذا يملك الغائبون سلطة روحية وفكرية علينا فيما لا ينبت الحاضر اي اصحاب سلطة يكشفون لنا ظلمات الواقع الذي نعيشه ويحفرون لنا ثغرة من جدار المستقبل. ذلك السد الذي سترتطم رؤوسنا بجدرانه الحديدية دون استعداد منا. آخر الكلام تمسك ان ظفرت بودّ حرّ فإن الحر في الدنيا قليل