السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 يوم الاحد الماضي زارت الامارات فرقة باليه فرنسية وقدمت عرضين في ابوظبي ودبي، اقل ما يمكن ان يقال عنهما «عرضان ساحران». في باليه اوبرا باريس الوطنية كان الراقص قادر بلعربي والمنشدة حورية عائشي في طليعة العرض حيث تمايلت اجساد لدنة رشيقة على توقيعات ألحان عالمية تروي قصصاً يحولها الموسيقيون الى نغمات، والراقصون الى حركات دلالية ويزيدها الجمهور عذوبة بحسن اصغائه، ودقة متابعته. ومن محاسن الصدف ان هذا العرض جاء في وقت كهذا لان العالم لم يعد يصدر ثقافته الى الآخرين، بل اصبح الاقوياء يصدرون حروبهم وآلاتهم المدمرة أو يستعرضون عضلاتهم عبر السينما أو عبر مبعوثين يجوبون العالم لتأديب الذين لا تحبهم اميركا.. واميركا التي ظهرت الى الوجود منذ سنوات قليلة قياساً بباقي الأمم يمكن تعريفها من الداخل ان مغنييها زنوج ورياضييها زنوج وكل شعرائها وكتابها ماركسيون كانوا حتى وقت قريب على لائحة السيناتور جون مكارثي فتعرضوا للمساءلة بتهمة الانتماء للشيوعية عدوة اميركا.. في زمن الحرب الباردة. وحتى لا نبتعد كثيراً عن مقاصد الكلام نقول ان فرنسا منذ سنوات تعمل على تصدير ثقافتها الى الآخرين، وكان هذا دأبها منذ الثورة الفرنسية لذلك بقيت اثارها ماثلة بعد زوال عسكرها، وشواهد كثيرة حاضرة في مصر وسوريا ولبنان ودول المغرب العربي، بينما لم يبق من الاستعمار الانجليزي سوى رائحته المنفرة. وفي وقت تتصاعد فيه موجات العداء ضد الآخر في العالم «في فرنسا ايضاَ» يقود قادر بلعربي اكبر اوبرا وطنية في العالم ويفرض حضوره على الجميع بموهبته وكذلك تفعل حورية عائشي المغنية التي تمتلك طبقة صوت رخامية الرنين وتنشد اشعاراً بربرية محققة هي الاخرى حضوراً لا يقل اهمية عن حضور قادر بلعربي. الذين شاهدوا عرض اوبرا باريس الوطنية في دبي يوم الاحد الماضي ادركوا كم يعني ان توحد الثقافة الرفيعة جميع شعوب الارض حيث امتلأت القاعة بالجالية الفرنسية والجزائرية واللبنانية والسورية والهندية والفلبينية، وقد تطول القائمة لان الذين حضروا لم يأتوا بخلفياتهم العرقية، بل جاؤوا من خلفيات معرفية تحميهم قوانين السعادة المشتركة التي تنظم كل الناس في بوتقة واحدة، والسعادة حتى تكتمل نكهتها يجب ان تكون مشتركة، لان الذين يحبون الثقافات يتمنون ان يشاركهم احد هذا الحب، والذين لا يملكون مساحة للحب لا يريدون ان يشاركهم فيها احد.. لانهم انانيون.. في اوقات عصيبة كهذه والاقوياء يستعرضون قوتهم تصبح رفة جناح راقصة باليه اكثر تأثيراً من خطاب رسمي وتصبح قفزة غزال راقص على مسرح اشد فتكاً في الروح من اطنان القنابل التي تريد اميركا ان يرقص العالم على دويها. ان الشعوب لا ترضخ لمنطق القوة ولكنها تساس بالعقل والمحبة.. ولو ارسلت اميركا زنوجها الرياضيين والمغنيين الى العالم سفراء للفن والحضارة لربما أحببنا اميركا.. قليلاً. E.mail: h-s-d@maktoob.com