السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 بادرني قائلا: اتذكرني، نعم، لقد اصطحبتني إلى مؤتمر تربوي في جنوب الهند، ضمن مهمة رسمية من قبل وزارة التربية والتعليم قبل أكثر من عقدين من الزمن ولم نلتق منذ ذلك اليوم، يالها من مصادفة جميلة وفي أول ليلة من رمضان، قلت في نفسي الجبل مع الجبل لا يلتقيان ولكن الإنسان مصيره ان يلقى اخاه الانسان وإن طال به الزمان كما يقال في بعض الامثال، يوم كان للأمثال فعل السحر في النفوس الحية والقلوب اليقظة. قلت: أين وصلت في مشوارك مع التربية بعد التدريس قرابة ربع قرن، قال: إلى غرفة عمليات القلب وها أنا اليوم أبيع العطور حتى اقيم أودي فلم تنفعني التربية في مثل هذا اليوم الذي أنا بأشد الحاجة إلى مؤسسة تقف معي في محنتي الصحية. ماذا نسمي هذه الحالة التي يتحول فيها رجل التربية والتعليم الى مجرد بائع في دكان او بقالة يريد من ورائها كسب العيش، لأن التدريس أصبح لا يعين على الكسب، فقد اصبح مهنة من يبحث عن الزهد قبل أوانه انها مأساة المجتمع التربوي بأكمله، أسمع عن الغرب، قصص المدرسين وهم يقدمون أوراق استقالتهم من هذه المهنة المقدسة والمرغوبة بشدة هناك، كيف ان كبار المسئولين عن دفة التربية والتعليم يترجون هذا المدرس البقاء في هذا السلم العالي المقام حتي لا تذوب الاجيال في بحر الضياع كلما فكر المدرس الخبير في ترك هذا الميدان لغيره من طلاب الوظيفة وليس من يقدسون هذا العمل الى درجة العبادة. فترد أوراق استقالاتهم مرات ومرات، بل وتخرج الاستثناءات لاطالة سن التقاعد لديهم حتى يصلوا الى قناعة في البقاء بهذا المكان والمقام السامي سنة اخرى. اما في وزارتنا فان كلمة «لامانع» والتوقيع عليها أسهل من ان تثير سؤالا واحدا ولو من باب المجاملة، لماذا تريد ترك هذا الميدان الذي بعثرت فيه زهرات شبابك وابيضت عيناك وشعرك وشعورك لسنوات لم تعمل لنفسك حسابا يذكر، فقد اخذتك نشوة التدريس وشهوتها عن التفكير في مستقبل أبنائك واسرتك، فها أنت اليوم طريح الفراش تعاني امراضاً في القلب لا علاقة لها بالجسد وانما بذبول الروح التواقة الى المعالي إلا ان ذلك انهك البدن واتلف الاعصاب بحيث لا تملك اليوم درهما ولا ديناراً لعلاج الخلل الذي أصاب اجزاء من جسدك الذي اصابه الهزال. حدثني وصوته خافت وعيناه ذابلتان ولونه مصفر وقواه منهارة لا يستطيع ان يحمل وزنا لا يتعدى الكيلو جراماً من حاجياته التي وضعها في يد ولده الأكبر، فهلا من شفقة بعيدة عن الاذلال لأمثال هؤلاء تصل اذان الغيورين من كبار اصحاب الشأن لتفادي الخسران العظيم والمبين لكل من يهمه اصلاح الشأن التربوي والتعليمي في مجتمعنا، فلمسة وفاء اردت بهذا الحديث لعله يصدح او يصدع سمع كل من قلبه على جوهر التربية والتعليم في بلادنا.