الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 صار عليك ابتلاع الاخبار والاحداث المسرة والمفجعة كابتلاعك لكبسولات الدواء اليومي، وصار عليك ان لا تمعن كثيرا في التفاصيل، فتكفيك العناوين لتستنتج بفطرتك الباقي كله.. هذا هو حالنا اليومي مع ما يدور من حولنا، ولان رقعة الشطرنج لا تتغير من فوقها الانهزامات والمواقف، ولا هناك سجالات ونقلات ندية، فانك حينما تصحو يوميا مع اشراقات الشمس تجد الحال كما هو عليه، فكل البيادق في مكانها تنقص ولا تتقدم ومن خلفهم الملك المحاصر المشلول العاجز عن الحركة، ينتظر التضحيات الكبيرة من اعمدة حكمه وسلطانه والوزير المهدد بفيل في اقصى اليمين او اقصى اليسار يتآمر على حصان في المقدمة هو الوحيد الذي حقق قبل مدة مكسبا استراتيجيا على الرقعة، يريده طعما لاحد الفيلين.. قلعة تضغط على قلعة وبيدق يشارف على الترقي ليحتل مكان الحصان الابيض الذي خرج خاسرا.. اللعبة نفسها لكن الانهزامات مستمرة، ولابد لها ان تستمر لان اللعبة مستمرة والنتائج ثابتة.. لماذا يحدث هذا التكرار، لماذا يمل اكثرنا سماع الاخبار، لماذا نسبها، نلعنها بالصوت المرتفع؟ لماذا يقترب مجلس الامن من اتفاق حول العراق، ونقرأ على الجانب المقابل من هذا الخبر: الاحتلال يحاصر ويعتقل عشرات الفلسطينيين في الضفة؟ لماذا ينتابنا شعور بأن هناك زيفا كالقيح يمرر على اسماعنا ووجوهنا يوميا لكي تبقى جماجمنا راكعة؟ يحدث هذا كل صباح، كل مساء فوق رقعة الشطرنج العربية، الرقعة المكبلة بالديون والخيانات والاماني والامل والحب والسلم والسلام والحرب والدم والقهر وحب الوصول الى القمر.. فصار عليك ان تبتلع الحقائق اليومية، الحقائق المكررة، ذات المردود المتكرر كما تبتلع حبات الصداع النصفي، ثلاث او اربع او خمس او ست مرات او عشرات قبل النوم وبعده.. فهذا المدى العربي على رقعة الشطرنج اللعينة يبدو انه ادمن الخسارات حتى قلبها عقله الباطن فصارت ارباحا مزيفة.. الجمهوريون يسيطرون على الكونغرس للمرة الاولى منذ 50 عاما، الرجل القوي في حزب الليكود الصهيوني يستلم حقيبة خارجية العدو.. استراتيجيات جديدة في المنطقة.. العرب يقولون ولا يقولون، ويفعلون ولا يفعلون.. تقرأ المزيد في العناوين، وتذبحك تفاصيل الاخبار لانها خاوية من الشيء الحقيقة.. تقرأ العناونين كل صباح، كلماتها مكررة، دمها مكرر رؤوس الشرفاء ورؤوس الخونة ايضا مكررة.. رقعة شطرنج تزيف حركة البيادق، تزيف في عدد المربعات السوداء والبيضاء.. غدا.. اقرأ اخبارا جديدة عن الكونغرس الذي احتله الجمهوريون، واين ذهب نتانياهو بحقيبة «سم» الخارجية الاسرائيلية!!