الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 عندما كانت الأمة الاسلامية بمنزلة أعلى نجم في سماء هذا الكون، تسطع من بعيد، كان لها بريق، كانت نجمة أعلى لا تساويها البقايا الآفلة. كانت تسير سريعا واثقة الخطو، ترتفع ويتسع اشعاعها، لا تنظر الى الوراء. تقود البقية وتحكم الدنيا بنورها وقوتها، هذه القوة في النور قبل كل شيء. هذه الامة أينما وصلت خيولها وراياتها، أينما حلّت زرعت الخير في الارض وأودعت القرآن في قلوب الناس رغّبتهم في هذا الدين الجديد وتركت لهم حرية الدخول في دين الله أفواجا، أو منحهم خيار الامان ودفع الجزية والطاعة. كانت تعطيهم ذلك وتأخذ منهم ما في عقولهم من علوم وتجارب، تنسخ قراطيسهم مهما كثرت وتنوعت، تبحث لها عن ترجمان يفك طلاسمها وينقلها للعربية، ومن هناك من روح وخيال اللغة الجديدة تبدأ مرحلة أهم، انها حالات التجريب والتطوير، يبحثون في هذه العلوم والنظريات، يدققونها ويضيفون فيها أو يعدلونها. طوال تاريخ هذه الامة منذ أن خرجت وعندما توسعت وازدهرت كثيرا وهي تمارس عمل البحث والقراءة والنقل والاختراع، استطاعت أن تمزج خليط الحضارات العظيمة التي كانت والتي توزعت في أصقاع الدنيا وفي أحقاب التاريخ المختلفة، جمعتها وهي المتناثرة والمتنافرة والتي ضيع الزمن أكثرها، ومن هذه البحور بنت ضفافا ورسمت مسالك ومسارات وولّدت علوما ومكتشفات. انها حضارة وثقافة جديدة صنعتها هذه الامة وكان غاية ذكائها انها لم تبدأ من لا شيء، انما انطلقت من النقطة التي وصلها عقل الانسان في المكان او الزمان الذي انتهى فيه. هذه الحضارة الواسعة والعميقة والتي حملتها دولة الاسلام من مشارق الارض ومغاربها، وعملت في المقابل على ان تترك مجدها العلمي والثقافي هذا في كل بقعة سكنتها، ومن ثم سارت ورسخت هذه العلوم بطابعها ورسمها وتقدمها لتستقر في الحضارات الاخرى، وفي أمكنة كانت تغط آنذاك في ظلام الجهل وسواد الامية كما كانت أوروبا المتفرقة حينها، والتي لولا هذه الحضارة وهذا الإرث لاستمر تخلفها زمنا، ولكان حال الحضارة الانسانية مختلفا عما هو عليه اليوم. ما كانت حضارة هذه الامة كما يزعم البعض منغلقة ضيقة قامت على السيف، او ان دورها تحدد في نشر الدين الجديد ونقل ما يناسبها وما تريده من معارف وعلوم الديانات والحضارات الاخرى. أبدا لم يكن الامر كذلك، ففي كل مراحل التاريخ الاسلامي، كان العلماء والادباء سواء من أبناء الامة او من الدول التي يتم فتحها، لهم الحظوة والمكانة الرفيعة، وعمليات النقل والترجمة شملت جميع أوجه المعرفة، فترجموا علوم الرياضيات والطب والكيمياء وكذلك كتب النجوم والموسيقى والقصص والروايات والاشعار وفنون الرسم والنحت والتصوير والغناء وناقشوا الاديان السابقة. وبلغ شغفهم وحبهم للعلوم والاداب ان تنافس الخلفاء على استقطاب الشعراء والعلماء وعلى اقتناء المخطوطات، فكان الخليفة او الامير يرسل من يبحث له عن كتاب سمع عنه فيقطع هذا الرسول سيرا طوله من قرطبة الى بغداد بحثا عن هذا الكتاب ويدفع فيه أموالا طائلة من أجل اقتنائه. وكانت قيمة المخطوط توزن بالذهب، فكان الكتاب يوضع في كفة الميزان وفي الاخرى دنانير من ذهب لمؤلفه. وفي حالات عديدة افتدى بعض الذين وصل اليهم مد الاسلام ولم يدخلوه، افتدى أهله بكتاب او بتعليم علماء المسلمين ما عنده من علم ومعرفة. في تلك الازمنة كانت المكتبات التي هي قلب وأس الحضارة تلحق بدار الخلافة، وتقع تحت اشراف الخليفة مباشرة، وتنافست عواصم وحواضر الدولة الاسلامية على توسيع مكتباتها واقتناء المزيد من الكتب وتشجيع حركة النقل والترجمة، فكانت المكتبات تعد من مفاخر واهتمامات الخلفاء يبغون بها خدمة الدين والدولة وايضا تخليد ذكرهم في التاريخ. هكذا كان حال العلم والكتاب عندما كانت الامة في عليائها، وعندما تزعزعت مكانتها وضعف مقامها وزال مجدها ورضت أن تكون تابعة وان تكون في الثرى بعد منزلة النجوم وهداية الاخرين، عندما تقهقرت هوى معها كل شيء..