الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 المشكلة ليست في الشارع وانما في «البدروم»! هذه أحدث الابتكارات الوصفية للكاتب الصحفي الأميركي المعروف توماس فريدمان المتخصص في شئون العالم العربي. وفي المقالة التي اتخذ لها فريدمان هذا الوصف الابداعي يتناول الكاتب حالة التذمر السياسي العام السائد بين جماهير الشباب في العالم العربي: أسباب الحالة وكيفية التصدي لها. وكمدخل يشير فريدمان الى ندوة عقدت مؤخرا في الدوحة عن العلاقات بين العالم الاسلامي واميركا قائلا ان احدى المسائل التي طرحت للنقاش هي: أين الشارع العربي.. وكيف يكون رد فعله تجاه غزو اميركي للعراق؟ ومن ثم، وعلى الفور يستدرك قائلا ان القضية الحقيقية ليست «الشارع العربي» وانما هي «البدروم العربي».. ثم يشرح. «الشارع العربي»، يقول فريدمان، هو الرأي العام الجماهيري العريض. أما «البدروم» العربي فهو المأوى الذي تلجأ إليه جماعات صغيرة من العقائديين ذوي الصلابة من امثال اسامة بن لادن ورفاقه. انهم اولئك الذين يهجرون الشارع ويتوارون عن الانظار لتدبير عمليات ضد الغرب. ولكن لماذا قرروا ان يهجروا الشارع العريض؟ يجيب فريدمان: عبر السنين الطويلة أتقنت الانظمة العربية الحاكمة فن التعامل مع الشارع وجماهيره وتأديبه. ولنعترف بأنه ليس هناك حاكم عربي واحد أطاح به الشارع! وفي هذا يقول فريدمان: «ان الحكام العرب يعرفون الآن كيف يشترون غضب الشارع او يحتوونه أو يعزلونه.. وكيف يصرفون انظاره بعيدا عن الداخل لكي تتركز صوب «العدو الصهيوني المجرم»! هذا الفن الذي اتقنته الانظمة العربية الحاكمة يجب ألا يستهان به. فالجمع بين اجتذاب أصحاب الهموم الذاتية عن طريق شراء ذممهم وأخذ ذوي الرؤوس الناشفة بأقصى درجات القسوة لا شك ينم عن مهارة نادرة النظير. ومن يتشكك في هذا الحكم فانه عليه ان ينظر في النتيجة الماثلة. فالسمة العامة التي تنتظم الشارع العربي هي السلبية وروح الاستسلام. لذا نبتت ظاهرة «البدروم» هذا المصطلح الذي يستخدمه فريدمان كناية عن العمل السري الذي يعتنق اسلوب العنف. قوام هذه الظاهرة اذن هم اولئك الذين اجتمع لديهم الغضب على الانظمة الحاكمة مع الغضب على سلبية الشارع فقرروا ان يشقوا لانفسهم طريقا جديدا. لقد اصيبوا بخيبة امل تجاه جماهير الشارع فقرروا التسلل من الشارع الى خلايا تحت الارض ما لبثت ان اقامت شبكة اتصالات مع خلايا مماثلة موزعة على انحاء العالم. مع ذلك فانهم لم يقاطعوا الشارع العربي. ويتساءل الكاتب الأميركي توماس فريدمان: ما هي افضل السبل للتعامل مع ظاهرة العمل السري الاسلامي التي تجتذب الشباب في العالم العربي؟ أولا، لا ينبغي ان ينتظر من كاتب صحفي مهما بلغت مكانته الصحفية ان يقدم حلا جاهزا لكل قضية او مشكلة يثيرها. فالكاتب الصحفي ليس زعيما سياسيا محترفا وليس مصلحا اجتماعيا متخصصا. يكفي انه يثير الانتباه ويلفت النظر عن طريق طرح المشكلة وتحليلها وتشخيص ابعادها.. ليلتقط آخرون الخيط من هنا. مع ذلك فان فريدمان يطرح ـ كما يتوقع من كاتب صحفي ـ خطوطاً ارشادية ذات طبيعة عمومية.. فيقول اولا ان تحديد اسلوب التعامل مع الجماعات السرية الاسلامية في العالم العربي يتطلب اولا وبالضرورة معالجة جذور المشكلة.. أي: لماذا نشأ العمل السري أصلا.. ولماذا يجتذب إليه الشباب؟ هناك عوامل مادية مرئية مثل تصاعد معدلات البطالة بين الشباب العربي المتعلمين من خريجي الجامعات والمعاهد والمدارس. لكن مثل هذه الحقيقة، على اهميتها، يجب ان ينظر اليها كسبب ثانوي.. أو عامل اضافي. فالسبب الجذري الاعظم يتمثل في انتشار شعور عام بين الشباب بالمهانة الذاتية والكرامة السليبة. ومرد ذلك الى شيئين: تلقي القهر اليومي من انظمة استبدادية في غياب كامل للديمقراطية والتعددية وحريات التعبير والتنظيم وتنامي خيبة الأمل من تضاؤل هذه الانظمة على الصعيد الخارجي امام القوى الدولية مما يجسده موقفها السلبي تجاه القمع الدموي الاسرائيلي للشعب الفلسطيني المدعوم اميركيا وتحرش الولايات المتحدة بالعراق وغيرها من دول عربية واسلامية شقيقة. والى ان تهب رياح الديمقراطية على العالم العربي.. والى ان تتحرر الارادة العربية من التسلط الاستعماري الأميركي فان ظاهرة التذمر بين الشباب العربي تبقى وتتنامى.