الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 عقد في عمان، كما هو معروف، مؤتمر قمة خاص بالمرأة العربية، في الثالث من شهر نوفمبر لعام 2002، واذا عدنا ادراجنا عدة عقود الى الوراء، نجد انه سبق ان تم عقد مؤتمر عالمي للمرأة في المكسيك عام 1975، ومؤتمر اقليمي للمرأة العربية في عمان 1978، ومؤتمر للمرأة في دمشق عام 1979. وهذه الامثلة تدل بوضوح على ان هناك تحركات ونشاطات دولية وعربية مستمرة تجري في كل مكان، لصالح قضية المرأة. ونحن اليوم نجد النساء في شتى بقاع العالم تواقات الى توسيع مجالات الاختيار أمامهن، والى مشاركة الرجال، وعلى قدم المساواة، في صنع الانجازات الانتاجية والابداعية التي تدفع بعجلة الركب الحضاري والتقدم الانساني قدماً الى الامام. وعلى الرغم من تباين اهتمامات النساء وتفاوت اوضاعهن باختلاف البيئات الثقافية التي يعشن فيها، فإن مطالبهن وجهودهن المبذولة على صعد العائلة والمجتمع والوطن والعالم تكشف عن التزام مشترك بجني نتائج ملموسة خلال فترة حياتهن الحالية اي ان النساء يتطلعن الى تحقيق امانيهن على المدى القريب لا البعيد، ويرى كثيرون ان السرعة التي تولت خلالها رغبتهن في تحسين احوالهن، والمدى الذي انتشرت اليه هذه الرغبة في بلدان متفاوتة في انظمتها ودرجات تقدمها، كالتفاوت بين بلدان مثل الولايات المتحدة والصين وتنزانيا والمكسيك والعالم العربي، خلال عقد واحد فقط من الزمان، لهما من ابرز التطورات في العصر الحديث، ولكن على الرغم من الكفاح الذي خاضت غماره المرأة في مختلف البقاع لنيل حقوقها، فإن الآراء ما زالت تختلف حول مدى ما اصابت في سعيها من نجاح، فبعض الكتابات والمؤلفات تصورها وكأنها قد اضحت قاب قوسين او ادنى من تحقيق ما تصبو اليه في جميع مجالات الحياة وانها تقترب من تضييق الفجوة في مجال الحقوق والفرص بينها وبين الرجل. دور ناقص ولكن كتابات اخرى تذهب مذهباً معاكساً، بيد ان آراء كثيرة تتفق على ان المرأة في بعض المجتمعات قد بدأت تقاسم الرجل اعباء العمل التقليدي والانتاجي بينما ظلت اللامساواة بينها وبين الرجل في مجتمعات اخرى سمة اساسية من سمات الحياة، وحتى نأخذ فكرة عن هذه الامور، دعنا نطلع على بعض محتويات كتاب بعنوان (النساء والتطور العالمي)، ويذهب الى ان الهوة بين النساء والرجال في جميع البلدان ومن مختلف الطبقات آخذة بالاتساع بدلاً من التقلص في كثير من المجالات الاقتصادية والعلمية والمهنية، وان التطور العلمي والتكنولوجي والتحديث بجميع اشكاله، على عكس ما يتصوره الكثيرون، قد اسهم في زيادة التفاوت في الفرص بين المرأة والرجل، ويرى معدا الكتاب انه في حين اصبحت فرص العمل والتوظيف بالنسبة الى المرأة اوفر مما كانت من قبل، بسبب انحسار القيود الاجتماعية التقليدية للاختلاط بين الجنسين، فإن ذلك ظل محصوراً في المجالات المهنية التقليدية ذات الاجور المادية المنخفضة اما الحقول الصناعية والتكنولوجية والطبية والاقتصادية الحديثة ذات المردود الداخلي المرتفع، فإن فرص مشاركة المرأة فيها آخذة بالانكماش، حتى ان الوظائف الراقية تكاد ان تصبح حكراً للرجال فلقد خلق التقدم الصناعي والتكنولوجي وظائف متخصصة يسيطر عليها الرجال بينما ترك الوظائف التقليدية البسيطة للنساء. ومن النواحي المهمة التي اشار اليها الكتاب ان مما يزيد وضع المرأة سوءاً بالنسبة الى الرجل ان هذا يقوم بدور واحد بينما هي بدورين انها تكدح خارج المنزل لتساعد الرجل في اعباء الحياة المادية المتزايدة، في الوقت الذي تؤدي مهامها المنزلية المعتادة، الامر الذي يثقل كاهلها ويضاعف مسئولياتها. ويشن الكتاب حملة على القيم الغربية التي تمنح المرأة مكانة ثانوية بالنسبة الى الرجل، وتكرس دورها في المنزل على حساب انطلاقها نحو آفاق العمل الخارجي بجميع انواعه ودرجاته. وهذه القيم على علاتها تصدر الى الدول النامية دون تعديل. ولسوء الحظ، كما يبين الكتاب، فإن النموذج الصيني او السوفييتي في هذا المجال ليس بأفضل من النموذج الغربي، ويستوحي الكتاب كثيراً من افكاره واقتراحاته وتوصياته من المؤتمرات والندوات والابحاث التي جرت في اثناء العام الدولي للمرأة. وقد كانت (المساواة بين الرجل والمرأة ـ التطوير ـ السلام) هي الموضوعات الثلاث الرئيسية التي طرحت في اثناء العام المذكور وحتى وقت قصير كان الاعتقاد السائد في العالم الصناعي ان التطوير هو من هموم الدول النامية وحدها، ولكن تبين فيما بعد، وبخاصة عقب نشوء مشكلات الطاقة وغيرها، ان للمشكلة ابعاداً عالمية وان حلها يحتاج الى جهود تعتمد على التعاون الدولي. والنتيجة الثانية التي تم استخلاصها في العالم الصناعي ان الوصفات الاقتصادية لن تحل وحدها قضايا الفقر والكساد الاقتصادي، اذ ان هدف هذا التطوير اليوم لم يعد التكنولوجيا المتقدمة والرخاء الاقتصادي فحسب، وانما ايضاً التنظيم الاجتماعي، لذلك فليست القوانين العلمية والميكانيكية هي وحدها التي تقود عملية التطوير بل الاعتبارات السلوكية كذلك. ومنذ السبعينيات من هذا القرن بدأ الخبراء والمخططون يعيدون تقييم افكارهم حول العلاقة بين العدالة الاجتماعية من جهة والنمو الاقتصادي والتطوير من جهة اخرى. مفارقة مثيرة ومن المؤسف الآن ان نرى الكثيرات من نساء العالم معزولات عن عمليات التخطيط والتطوير، مما يضعف من شأنهن ومركزهن في المجتمع وتدل المعلومات الوثائقية الحديثة ليس فقط على وجود تفاوت في الفرص بين الرجال والنساء في مجالات التعليم التكنولوجي والطبي والتوظيف الصناعي والعلمي والمشاركة السياسية في المستويات العليا، وانما على تزايد هذا التفاوت بشكل عام هذه هي الحقيقة الأساسية التي سلط عليها الاضواء كتاب (النساء والتطور العالمي). لقد كان احد الاهداف الرئيسية للعام الدولي للمرأة سنة 1975 اعادة تقييم دور النساء في خطط التطوير واستراتيجياته، بعد ان كشفت الدراسات الحديثة عن ان حقوقهن في هذا المجال قد غمطت في معظم بقاع العالم، مما اسفر عن تضخيم الفجوة في الفرص بين المرأة والرجل فكان من الطبيعي اذن ان ترتفع نداءات تدعو الى تغيير بعض الأسبقيات والأفضليات وتحويلها لصالح المرأة، وان تعقد مؤتمرات، وتقدم توصيات لجذب المرأة الى شبكة التطوير ومن الأسئلة الرئيسية التي اثيرت في المؤتمرات: لماذا وكيف فشلت برامج التطوير في احتواء المرأة، وما مدى الخسارة البشرية التي نجمت عن عدم اشراكها بشكل كاف في عمليات النمو الاقتصادي والاجتماعي؟ هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها هذا الكتاب الذي يتضمن مقالات تغطي اوضاع النساء في الدول النامية وادوارهن على الصعيد العالمي والمشكلات المتعلقة بادخالهن شريكات مساويات للرجال في برامج التطوير، وكذلك تأثير التحديث والتصنيع في حياتهن، والمقالات بأقلام كتاب مختلفين معظمهم نساء: فمارجريت ميد، تبين في مقالها (تعليق حول دور النساء في الزراعة) ان المرأة قد حرمت من فرص التمرس بالتقنيات الزراعية بسبب الاعتقاد الزائف بأنها غير قادرة على ادارة الآلات الحديثة وتشغيلها وهي تحذر من اخطاء استمرار انتقال انموذج التدريب الزراعي الاميركي الى باقي انحاء العالم بكل ما ينطوي عليه هذا الانموذج من مساوئ فهو يؤكد على حقل الانتاج العلمي الزراعي الذي يختص به الذكور بينما يهمل الحقلين الآخرين المتعلقين بالتغذية وصناعة الغذاء، او على الأقل يضعهما في الدرجة الثانية من الاهمية، لأن هذين الحقلين يدخلان في عداد الحقول التي تقوم فيها المرأة بدور أساسي في الولايات المتحدة، ومثل هذا الموقف يتضمن اخطاراً ليس بالنسبة الى المرأة فحسب، وانما بالنسبة الى الاوضاع التغذوية والصحية في العالم بأسره. وتعرضت (ميد) في مقالها ايضاً لموضوع الآثار السلبية التي احدثها التطوير في حياة النساء، واعتبرت ان الانتقال التلقائي للمعتقدات الخاطئة حول النساء من الدول الغربية الى المجتمعات النامية مسئول بدرجة كبيرة عن سوء أوضاع المرأة في هذه المجتمعات وقد عولجت هذه الناحية بتفصيل اكبر في مقال ايرين تنكر (التأثير المعاكس للتطوير في النساء) فالتطوير في رأيها، بتوسيعه الهوة في الدخول المالية بين النساء والرجال، لم يساعد على تحسين حياة المرأة، بل كان له تأثير سلبي. اما رأي بلمبرج فتشير في مقالها (الاقتصاد والعائلة والانتاج) بصورة خاصة الى العلاقة بين الانتاجية الاقتصادية للمرأة ووظائفها الانجابية، وتقدم شواهد تدحض الافتراضات التي ظلت قائمة لفترة طويلة من الزمن والتي اعتبرت النساء عضوات غير منتجات في المجتمع، وتتعرض بلمبرج هي الاخرى لما اصاب النساء من ضرر بسبب مشروعات التطوير التي تقوم على الافكار الاوروبية التمييزية المتعصبة، كما تستعرض بعض الكتابات التي تذهب الى ان التطوير يوسع الهوة بين الرجال والنساء في مجال فرص الكسب المادي، كما يحد من الاستقلال الاقتصادي للنساء بسبب التحدي الذي لاقته وظائفهن التقليدية من جانب التكنولوجيات الحديثة. وفي مقال (العالم الاسلامي) تكشف فاطمة ميرنسي عن اوضاع النساء الاقتصادية والعامة في الاقطار الاسلامية وهي تخلص في النتيجة، بعد ان استقت معلوماتها من نماذج مختلفة من هذه الاقطار، مع التركيز بصورة خاصة على النموذج المغربي، الى ان التحديث والتصنيع في هذه البلدان اسفرا عن تزايد عدم المساواة بين الجنسين، لأن الاعراف والقيم التقليدية، في رأيها، اثبتت ان لها فاعلية اكبر من النصوص المدونة، وانها ادت عملياً الى عزل معظم النساء عن عمليات التطوير وتشير الارقام والاحصاءات التي اوردتها ميرنسي عن المغرب العربي (مراكش) الى ان القوة النسائية العاملة فيها صغيرة جداً، وانها موظفة في القطاعات الأقل مردوداً في الاجور كما تظهر هذه ان نسبة كبيرة من النساء اللواتي يشكلن القوة العاملة، هن اما مطلقات او ارامل، واما شابات صغيرات او كبيرات اكثر من اللزوم، وهذا يدل على ان عمل هؤلاء النساء خارج المنزل لا يعبر عن نجاح شخصي او اجتماعي وانما هو ضرب من اللجوء اليائس يلذن به لافتقارهن الى وسائل الدعم الأخرى في الحياة. وهكذا نجد ان (مارجيت ويد) و(راي بلبرج) و(فاطمة ميرنسي) جميعهن يتفقن على وجود علاقة سلبية بين التطوير الاقتصادي والعلمي (اي التحديث) في بلد ما واوضاع النساء المزرية فيه ويتضمن الكتاب مقالات اخرى كثيرة لا يتسع المجال لايرادها ولا شك ان الكتاب وان كان يعالج قضايا المرأة على مستوى دولي واسع، الا ان كثيراً من الافكار والاحكام الواردة فيه، تنطبق على اوضاع المرأة العربية بقي ان نذكر ان مؤتمر القمة للمرأة العربية الذي عقد في عمان في بداية نوفمبر الجاري لم يكتف بدراسة شئون المرأة وشجونها، بل تجاوز هذا الى معالجة قضايا حيوية بارزة مثل الفقر والديمقراطية وغيرهما، مما يكسبه اهمية اضافية. ـ كاتب سوري