الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 كنت حتى وقت قريب اعتقد أن الديمقراطية ولدت كاملة، وترعرعت غير منقوصة في ارض الإغريق، وبالتحديد قبيل قيام دولة «اثينا» بقليل، وكان قيام دولة أثينا وتسميتها بهذا الاسم نتيجة مباشرة لأول مباشرة ديمقراطية لهذا النظام، وزرع المنظرون الغربيون الديمقراطيون هذا الوهم في أذهان الناس مثلي تماما دون أن ينبهوهم إلى ظروف ميلاد تلك الديمقراطية، ولا التدليس الذي حدث بعد اكتشاف أول نتائج استفتاء عام لم تعجب القائمين عليها من أولى الأمر. وتم الاتفاق فيما بينهم وقتها على اغتيال هذه الديمقراطية في مهدها، وتحنيط جثتها لاستخدامها عند اللزوم، لذلك لم يقيموا لها جنازة ولا أعلنوا الحداد عليها، بل قالوا أن أول نتائج أسفرت عنها تؤكد أنها مريضة، ولذلك تقرر الإبقاء على تلك النتائج غير المرضي عنها خوفا من الفضيحة، مع العمل على ألا تتكرر تلك النتيجة في المستقبل لصالح الحفاظ على تاريخها نقيا! بعد كل هذا الزمان من الاعتقاد بان الديمقراطية من اجمل النظم السياسية وأكملها، إلى الاعتقاد بأنها نظام سياسي لا حول له ولا قوة أمام جبروت البعض من ممارسيها، إلى الإيمان بأنها النظام السياسي الأقل سوءا بين الأنظمة السياسية السائدة على ظهر هذا الكوكب الأرضي الذي نعيش فيه. صورة عكسية مررت بكل هذه المراحل من التعلق بالديمقراطية، وهي مراحل لم تؤثر فيها بالطبع بعض الممارسات الغريبة لبعض مدعي الديمقراطية عندنا الذين رفعوا شعارها زيفا ثم ادعوا أن لها «مخالب وأنياب»، وأنها يمكن أن تنهش الخارجين على أنظمتهم، ومعاقبتهم باعتبارهم ليسوا معارضين للنظام بل معارضين للديمقراطية نفسها مما يوجب نبذهم. رغم كل هذا كنت ما أزال على تعلقي بتلك الديمقراطية باعتبارها النظام الأقل سوءا، وأنني على استعداد للحياة في ظل أي نظام يكفل لي ما يمكن أن تكفله لي هذه الديمقراطية، ولكن عندما شاهدت رجلا غير مؤهل ولا حتى لقيادة بيته الخاص يصل إلى منصب رئيس اكبر دولة في العالم باسم هذه الديمقراطية بدأت أتشكك في أنها يمكن أن توفر لي ما كنت اعتقده وهما من حرية اعتقاد وتعبير وتحرك، وبعد ممارسات النظام الديمقراطي الأميركي واتباعه من ديمقراطيات أوروبا بعد أحداث 11 سبتمبر، وإسقاطها لمبدأ «المتهم بريء حتى تثبت إدانته» بمبدأ غريب على جميع الصياغات القانونية في كل النظم «البريء مدان ومحكوم عليه مسبقا ما لم تثبت براءته»، وتعاملها مع الآخر المختلف على أنه عدو وأن التعبير مسموح فقط لمناصريهم ولغيرهم قوائم المنع من الدخول إلى بلادهم أو التعامل معهم. وأتشكك اليوم اكثر في ما يسمونه بالنظام الديمقراطي بعد أن شاهدت من خلال شاشات التليفزيون ووكالات الأنباء والصحف شيوخا لا حول لهم ولا قوة يرسفون في الأغلال، جاءوا بهم من جبال أفغانستان وبدلا من مساعدتهم على إكمال حياة سعيدة ألقوا بهم في سجون «جوانتانامو» السرية، في الجزء المحتل أميركياً من الجزيرة الكوبية، تحت شبهة انهم خطرون على أمن الولايات المتحدة الأميركية التي كانت تقع على بعد آلاف الأميال من أماكن ميلادهم وأسرهم، ومن المؤكد انهم لم يكونوا يعرفون أين تقع واشنطن على خارطة العالم، تماما كما يجهل معظم الأميركيين أين تقع كابول على الكرة الأرضية حتى بعد أن قامت القوات الأميركية بتدميرها واحتلالها، حسب استقراء للعديد من وسائل الإعلام الغربية التي توصلت إلى نتيجة مفادها أن تأييد الشعب الأميركي لحروب رؤسائه ووزراء خارجيته ودفاعه تعود إلى أنهم يجهلون أين تقع تلك البلاد التي يموت أهلها الأبرياء بصواريخ وقنابل القاذفات والمدمرات الأميركية في الحروب التي يدعون إليها. إضافة إلى الممارسات التي شاهدتها تحت اسم وشعار الديمقراطية خلال السنوات العشرين الأخيرة التي عشتها في تلك البلاد التي تعتبر نفسها ديمقراطية، وترى انه من مسئوليتها نشر هذه الديمقراطية في بلاد أخرى، بدأت أتشكك أكثر هذه المرة، أتشكك في معلوماتي عن الديمقراطية وممارساتها منذ أن شهدت النور في بلاد الإغريق، فعدت إلى كل الكتب التي تؤرخ لبلاد الإغريق وديمقراطيتهم وممارستهم لها كنظام سياسي. أول استفتاء لا أريد أن استبق القارئ إلى النتيجة وإنما أقص عليه ما وجدته في أحد الكتب «الديمقراطية» حول أول ممارسة حقيقية جرت كتجربة لهذه الديمقراطية، وهي المتعلقة بشيء يبدو بسيطا للغاية وربما لا أهمية له، وهو اختيار اسم «مدينة» فقط، فماذا حدث؟. يقول الكتاب: أفاق بعض أهالي اليونان على رؤية طبيعية غريبة، فقد فتحوا عيونهم ليجدوا بالقرب من المدينة شجرة زيتون ضخمة نبتت وترعرعت في ليلة واحدة، وعلى مقربة منها ينبثق من الأرض ماء غزير لم يكن موجودا من قبل كالشجرة تماما، وبعد بحث حول سر هذه الظاهرة، توصل شيوخهم والعالمون منهم إلى أن سرا إلهيا يمكن أن يكون وراء هذه الظاهرة غير الطبيعية، فما كان من الملك إلا أن أرسل إلى كهنة معبد «دلفي» لاستطلاع رأيهم بعد أن عجز علماء المدينة عن فهم ما حدث. جاء الجواب من كهنة المعبد وعرافيه يقول بأن شجرة الزيتون الجميلة الباسقة التي نبتت وترعرعت وامتدت أغصانها في ليلة واحدة، ما هي إلا الآلهة «أثينا» التي اختارت أرضهم لتعيش فيها، وأن النبع الغزير الماء الجميل الطعم الذي يحمل خيرا للمدينة ليس إلا الإله «بوسيدون»، وأن الآلهة والإله يخيران أهل المدينة بينهما ليكون اسماً واحداً منهما هو اسم المدينة منذ هذا اليوم. قرر الملك أن يطبق الديمقراطية نظاما للاحتكام إلى الناس في هذا الأمر باعتباره حاكما سياسيا ديمقراطيا، وتم إعلان استفتاء عام بين جميع السكان لا يتخلف منهم أحد رجالا ونساء، أو نساء ورجالا، لأنه في الديمقراطية القديمة حتى ذلك الاستفتاء كانت المساواة مطلقة، وتقديم أي منهما على الآخر يعتبر خرقا لهذه الديمقراطية. ولما كان عدد النساء أكثر من عدد الرجال في المدينة كان من الطبيعي أن ترجح كفتهن تجاه طرف على حساب آخر لو أنهن اتحدن في توجيه أصواتهن، وبما أن شجرة الزيتون «أثينا» إلهة أنثى فقد اتفقت النساء على اختيار اسمها ليكون الدال على المدينة الباحثة عن هوية جديدة لها، فيما خسر الإله بوسيدون الاستفتاء لأن أصوات الرجال مجتمعة لم تكن كافية ليفوز بوضع اسمه على تلك المدينة، خاصة بعد أن فشل الرجال في فرض رأيهم على نسائهم، فالكل سواء في عرف الديمقراطية. الاستفتاء إحدى الممارسات الديمقراطية المعروفة، ومن المفترض أن الخاسر يكون أول المهنئين للفائز فيها، ولا يمكن تأخير هذه التهنئة ما لم يكن هناك شك في نزاهة هذه الانتخابات، ولا يجب أن يكون الشك مجرد ادعاء، بل يجب أن يكون مصحوبا بأدلة مادية حتى يمكن الطعن في الاستفتاء وطلب إعادته من جديد، أو قبول النتيجة كما هي. لم يشك أحد في نتيجة الانتخابات لأنها كانت بديهية، وقبلها رجال المدينة على مضض، إلا أن غضبة الإله بوسيدون على سكان المدينة التي نتج عنها هياجه الشديد، وإرساله لماء البحر ليغرق المدينة وما حولها، حتى جفت الأرض وتوقفت عن العطاء، ولم يتمكن السكان من زراعتها وحصادها خلال ذلك العام وضعت أمام أعداء الديمقراطية سلاحا يمكنهم من تسخيرها لإرادتهم. أعلن الرجال أنهم لن يقبلوا غضبة الإله بوسيدون على أنها غضبة مؤقتة بسبب هزيمته أمام غريمته أثينا، وترك الأمر لهما ليصفيا حسابهما في مكان الألوهية وبعيدا عن سكان المدينة الأرضية، فاجتمع الرجال بحجة العمل على تهدئة خاطر الإله بوسيدون دون أن يدعوا الطرف الآخر في تلك المعادلة الصعبة التي تفرضها الديمقراطية وهم النساء، وهن جزء لا يستهان به في المدينة لأنهن الأغلبية الساحقة وعددهن لا يمكن تجاهله عند وضع أي تعديل على قوانين الحياة في المدينة. حق القوة في عملية غير ديمقراطية، وفي غيبة الطرف الآخر قرر الرجال تحريم حق التصويت على النساء في أي انتخابات مستقبلية وترك الأمر للرجال وحدهم ليقرروا تقنين الحياة في المدينة، لم يتوقف الرجال عند حرمان النساء من التصويت في المسائل السياسية، بل انتهزوا فرصة غياب النساء واتخذوا قرارات أخرى تعتبر مجحفة بالنساء أنفسهن، منها: نسبة الأبناء إلى آبائهم وحرمان الأمهات من هذا الشرف، على الرغم من متاعب الحمل والولادة والنفاس والتربية بعد ذلك التي تتحملها النساء، بل وحرمان النساء من لقب الإلهة اللاتي اخترن اسمها اسما لمدينتهن، فتم تحريم لقب «الاثينية» على المرأة وأصبح من حق الرجل فقط. أراد الكتاب بهذه الأسطورة أن يؤكد أن الآلهة هي السبب في نقص الديمقراطية عن الوفاء بجزء من مبادئها، وان كل نواقص الممارسات الديمقراطية تعود إلى أسباب سماوية خارجة عن إرادة البشر الذين يعيشون تحت مظلة هذا النظام. إلا أن قراءة نص الحكاية أو الخرافة أو الأسطورة حتى في إطارها الزمني يكشف بجلاء ووضوح أن هذه الديمقراطية بها نواقص يمكن أن تجعلها في خدمة الطرف الأقوى الذي يفرض شروطه، ومن هنا نجد بعض القوانين تحرم على الشخص الأكثر شعبية من ترشيح نفسه أو رئاسته للحكومة كما حدث خلال انتخابات هذا الأسبوع في تركيا، على الرغم من فوز حزبه بالأغلبية الساحقة. أيضا هذه الديمقراطية يمكن استخدامها ضد المعارضين بوصمهم بالعداء لمصالح الوطن، بل وباسمها يمكن تكميم الأفواه ووأد حرية الرأي بوضع قوائم بأسماء الكتاب والمثقفين الذين لا يروقون لبعض الديمقراطيين، كما هو الحال في الديمقراطية الاولى في عالمنا المعاصر التي بها قوائم من هؤلاء ممنوع دخولهم الولايات المتحدة، بها العديد من مشاهير الكتاب منهم: جابرييل جارثيا ماركيز ومحمود درويش، والتي أضاف إليها الرئيس جورج دبليو بوش قائمة جديدة تضم عددا كبيرا من خيرة واشرف الكتاب العرب لأن آراءهم لا توافق هواه، وكان لي شرف أن أطالع اسمي أنا المسكين من بين هؤلاء الشرفاء مقرونا بمقالاتي في جريدة «البيان» باعتبارها خطرا على الأمن الوطني الأميركي (؟)! وفي النهاية لا يسعني إلا أن أقول: شكرا للديمقراطية الأميركية التي شرفتنا بطردنا من جنتها، مع أنني شخصيا لم أحلم مطلقا بالسفر إلى أي ركن من تلك الجنة، لأنني متأكد أنها ركن من أركان الجحيم يحرسها شياطين مثل بوش وأمثاله، إلا أنني أعلن أنني ما زلت أؤمن بأن الديمقراطية نظام ليس بهذا السوء الذي تصوره لنا واشنطن إذا تم تطبيقها بعيدا عن أعينهم. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا