الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 منذ عقود عديدة والعلاقة بين النشاط الاعلامي المرئي وبين رمضان علاقة فاترة، ولا يطرأ عليها مايدل على امكانية المصالحة والتقارب والمشاركة في الهدف والغاية، وقد كان من المنتظر مع توالي الشهور الرمضانية ان تنصلح العلاقة بين الطرفين. ولكن بعض المشتغلين بمسائل الاعلام اتخذوا منه مطية لتحقيق مآربهم في إلهاء الناس وصدهم عن استثمار اوقاتهم فيما يعود عليهم بالفائدة ويهييء لهم اسباب الفوز. ولان كل كلمة (نعم) لشيء غير مهم، يقابلها كلمة (لا) لشيء مهم، فقد سحب البساط من تحت ارجل الصائمين ليتركوا ـ في غفلة منهم ـ وجها لوجه امام الهجوم الاعلامي الذي لبس عباءة الترفيه والتسليه والترويح وغطيّ على الصورة التلفزيونية وصبغها بلونه الخاص الذي ينشر التثاؤب، ويصيب المتابع الشغوف بحالة من الاسترخاء والرغبة في عدم الانصراف إلى شيء آخر سوى التنقل والتجوال بين تلك المحطات التي اتفقت ضمنياً على أن تسير في اتجاه واحد وتروّج لنوع واحد من المواد الاعلامية التي تحمل صفة التسلية والفرجة!! واللافت انه لم يصاحب هذا الترويج للترفيه اي محتويات اعلامية اخرى تتضمن معاني تعبر عن الواقع وتحكي عن رمضان في عيون الناس وليس في عيون كتاب المسلسلات الرمضانية. واللافت في الامر هو ذلك الاقتران المرير المنظم والمتواتر بين المزيد من المسلسلات ذات المستويات العادية والتي لا يستثنى منها الا قلة محدودة تخاطب عقل المتلقي وتحترم خصوصية المجتمع المسلم، وتلتزم بالاداء الاعلامي المسئول، وبين رمضان الذي اراده الله ليكون شهر الانتصار على الضعف البشري، والهزيمة الروحية وليتمكن المسلم في رحابه من الانطلاق نحو تحقيق ادواره بنفس قوية، وهمة لا ترضى بالأداء العادي في اي مستوى من مستويات اداء المسئولية، وتنفيذ المهام. وعلى الجانب الآخر من المسألة الاعلامية تدوي اسئلة، وتتردد في الفضاء علامات تَعجب وعبارات استنكار، تبحث كلها عن الكفاءات التربوية والفكرية. وعن الطاقات الابداعية القادرة على كسر حصار المسلسلات، وتقديم ثقافة بديله من شأنها الاستجابة لحاجات الناس وتهدف الى الارتقاء بهمة الصائم، وتجدد له صلته برمضان بعد أن شابها الضعف، واعتراها الكثير من الوهن، فكم من صائم دخل عليه رمضان ورحل دون ان يلتفت الى نفسه، ويغتنم لحظات من الزمن الرمضاني المتدفق ليغسل روحه في نور هذا الشهر الفياض، وينهل من مورده العذب الريان؟! وكم من صائم عجز عن مواجهة نفسه بأخطائها بينما كانت المرآة الرمضانية مهيأة لاخباره بنقاط ضعفه، بل، وكان رمضان قادراً كشأنه على الدوام على الاخذ بيده نحو الأمام. ان حال هذا الصائم كحال غيره من المدمنين للصورة التلفزيونية انهم طرقوا باب الترويج من غير محله الصحيح، فتبدد الوقت الثمين دون عائد يذكر! حيث ثمة بدائل للترويج هي أرقى وأليق بالصائم من ذلك الترويج التلفازي العقيم الذي يتحول فيه الصائم الى متلقٍ سلبي ينفصل عن واقعه وبيئته ويستّمر ناظراً الى تلك الصور التي حدثناكم عن مادتها المتواضعة، ومحدودية قدرتها على اثراء الصائم ودعم افكاره. بينما ان هناك مصادر للترويج المنتج مهيأة بطبيعتها وبمناخها الخاص لتحويل هذا الصائم الى عنصر فعّال ونشط، ومؤثر فيمن حوله من الناس خلال تفعيل العلاقات الاجتماعية ومد جسور البناء والتواصل مع الاقارب والارحام، والاصدقاء والجيران، ومن خلال المنتديات واللقاءات المفتوحة اذا ما وجد النظام والبرمجة الصحيحة لاستيعاب تلك الدوائر الاجتماعية المهمة، وتحقيق تفاعل فكري ونفسي معها. حقا ما اروع البدائل الترويجية الجيدة التي تجدد الدماء في اوصال العلاقات الانسانية وتعيد الصائم الى نفسه وأهله وذاكرته الغنية.