الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 وأهل شهر رمضان المبارك، فمن الناس من يراه شهر تجارة، ومنهم من يراه شهر افتنان في المأكل والمشرب والزيارات والسهر ومجالس المسامرة، ومنهم من يراه موسما لفعل الخير والاحسان، ومنهم من يرى فيه ـ قبل ذلك كله ـ شهر القرآن، اهتداء بقوله تعالى: «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان»، فهم يقبلون على المصاحف، يتلون كل يوم ما يتيسر لهم من سوره وآياته البينات، فمنهم من ييسر له الله ختم القرآن في الشهر الفضيل، وهو فضل عظيم كان السلف الصالح يحرصون على الاستزادة منه، حتى ان بعضهم كان يختمه كل يوم وليلة ختمة، ومنهم من كان يختمه كل يوم وليلة ختمتين، وذلك لفضل قراءته التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم انها تحيي القلب الميت وتنهي عن الفحشاء والمنكر، وقال: «ان القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد. قيل: يا رسول الله، وما جلاؤها؟ قال: قراءة القرآن». ولذلك فإن من جميل الدعاء: «اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، وجلاء همومنا». في كل انحاء العالم الاسلامي تزدهي ـ في رمضان ـ المساجد وكثير من البيوت والقاعات بمجالس تلاوة القرآن التي يحييها مشاهير القراء، كما تنظم المسابقات بين حفظة القرآن من الناشئين وغيرهم. وهكذا تتجلى ـ في رمضان ـ العروة الوثقى التي ينتظم اكثر من مليار مسلم في حبلها الوثيق. وهنا تتداعى خواطر ومشاعر كثيرة عن احوال المسلمين، وكلها تثير الشجون، ولكن يبرز من بينها في سياق الخواطر ما يتصل بلغة القرآن الكريم، الجميلة التي شرفها الله به، وكرمها في آياته البينات بقوله تعالى: «وهذا لسان عربي مبين». أول هذه الخواطر، ان المسلمين ـ إلا من رحم الله وشرح صدره للقرآن ـ قد تفرقت بهم السبل بعيدا عنه وعن علوم لغته، فصار معظم المسلمين من غير العرب ـ مثلا ـ يرددون اذا صلوا، ما يحفظون، اذا كانوا يحفظون، من آيات قرآنية ترديداً خاليا من الفهم لمعانيها والوعي والادراك لاعجاز بيانها. والحق انه من المفارقات المحزنة ان يهمل العرب او يغفلون عن اداء الامانة المعلقة في اعناقهم، امانة نشر لغة القرآن الكريم والحديث الشريف والتراث الاسلامي، بين اخوتهم المسلمين، على الرغم من تهيؤ الظروف الميسرة لذلك، وبخاصة عاطفة الحب العميقة للقرآن الكريم، ومشاعر تقديسه واجلاله، ووجوب حفظ بعض آياته للصلاة بها. هذا، بينما نجد شعوبا اخرى تحارب وتجهد بشدة، بمختلف اساليب الاغراء وانشاء المدارس والجامعات والمنظمات وحتى بالمؤامرات بهدف نشر لغاتها وثقافاتها، وما نشاط الفرنكفونية ببعيد عن الاذهان. اما حال المسلمين العرب، فهي ايضاً لا تسر صديقا، فمعظمهم يقرءون ـ اذا قرءوا ـ بلا تدبر لمعاني مفرداته وعباداته واساليبه، ولا معرفة بقواعد تلاوته واعرابه، وذلك بسبب مأساة تدني مكانة اللغة العربية في مناهج التعليم وحصيلته، الامر الذي ادى إلى ظاهرة خطيرة، وهي ان بعض المفردات اللغوية في القرآن الكريم، صارت غامضة المعنى في اذهان كثير من المسلمين، وانا اذكر بأسى اني في اثناء دورة تدريبية لبعض الاعلاميين من عدة اقطار عربية، سألت عن معاني كلمات: «الفلق»، و«غاسق»، و«وقب»، من مفردات سورة «الفلق» التي يحفظونها جميعا، وكانت الاجابة محزنة. ما اريد ان اصل اليه هو ان شهر رمضان ـ لكونه شهر القرآن ـ هو فرصة عظيمة وموسم رائع لورود ينابيع لغته الجليلة، وارتشاف ما يتيسر من معارفها، ومعاني مفراداتها، وقواعد اعرابها، وتجويد النطق بأصواتها. ان تعلم اللغة العربية ـ كما نقول دائماً ـ هو فرض عين على كل مسلم ومسلمة، لانه السبيل إلى حسن تلاوة القرآن الكريم، وفهم وتدبر معاني مفرداته ودلالات عباراته واساليبه وآياته البينات، ورحم الله الامام الشافعي، الذي كان ـ طوال اقامته في مصر ـ يخصص فترة ما بعد صلاة الفجر لدروس علوم القرآن، بعدها يجلس لدرس الحديث، وبعد ذلك يفرد الضحى حتى صلاة الظهر لتعليم اللغة العربية وفنونها. ليتنا نجعل شهر رمضان، شهر القرآن، وشهر اللغة العربية أيضاً