الجمعة 3 رمضان 1423 هـ الموافق 8 نوفمبر 2002 كان الهبوط الأميركي بالدكتور مازن النجار في مطار بيروت اشارة لكل العرب، فقبل نحو شهرين اخترقت طائرة أميركية الأجواء اللبنانية، وحطت في مطار بيروت دون اذن مسبق، كان على متن هذه الطائرة الدكتور النجار الأميركي الجنسية والفلسطيني الأصل الذي ابعد من الولايات المتحدة. هذه الحادثة كانت تؤذن بعصر انتهاك سيادة الدول العربية اميركياً، فالطائرة الأميركية «المدنية» اقتحمت الاجواء اللبنانية عنوة دون اي اعتبار لسيادة لبنان او حتى لما تنص عليه قواعد وقوانين الطيران الدولية. ورغم انه قيل الكثير حول الحصول على اذن مسبق بالهبوط فإن كل ما قيل لم يتعد حدود تجميل هذا الانتهاك الاميركي لسيادة الدولة اللبنانية. وجاءت عملية قصف طائرة اميركية لسيارة يقلها يمنيون لتؤشر الى ان سيادة اليمن حدث لها ما حدث لسيادة لبنان. فأيا كان امر ركاب هذه السيارة ـ جميعهم عدا واحدا لم تعرف هويتهم بعد ـ فهم كانوا من المنظور القانوني مشتبهاً بهم او ببعض منهم، ومن ثم كان الاجدر ان يتم القاء القبض عليهم بواسطة سلطات بلادهم وتقديمهم الى القضاء لمحاكمتهم فيما هو منسوب اليهم. ولكن عقلية التصفية الجسدية التي تماهت فيها مع عقلية شارون وسياساته ضد الفلسطينيين سيطرت على الموقف، حيث قصفت السيارة وقتل من فيها. ولم تجد الولايات المتحدة اي حرج في تبني هذه العملية والثناء على دور اجهزتها في تنفيذها. وما فعلته الولايات المتحدة ـ أيا كان الرأي فيه ـ ينسجم مع سياساتها المعلنة فيما تزعم انه الحرب ضد الارهاب. اما ما لا ينسجم مع الطبيعة الدولية او مع اعتبارات الكرامة الوطنية، فهو موقف السلطات اليمنية التي تصرفت ـ ولا تزال ـ وكأن الأمر جرى في مكان آخر بعيد عن اراضيها وسيادتها. وحسب الاعراف الدولية فإن اقل ما يجب ان تفعله اي دولة في هذا الموقف هو تقديم احتجاج رسمي الى الولايات المتحدة لما ارتكبته في حق بعض مواطنيها وفي حق سيادة اراضيها. ولأن هذا لم يحدث فإن هذه الواقعة تلقي مصداقية على ما سبق وأعلن من أنباء حول قيام طائرات أميركية بطلعات عسكرية في شمال اليمن بالاتفاق مع السلطات اليمنية وهو ما سبق ونفته الحكومة اليمنية واذا ما صدقنا هذا النفي الحكومي، فإن واقعة قصف السيارة تمثل انتهاكاً لسيادة دولة عربية. وفي التوقيت نفسه ـ تقريباً ـ خرج دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الاميركي ليقلل من اهمية التصريحات التي ادلى بها سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي، تلك التصريحات التي اكد فيها الفيصل ان السعودية لن تسمح للولايات المتحدة الاميركية بمهاجمة العراق انطلاقاً من اراضيها. الموقف الاميركي هنا اقرب الى الابتزاز منه الى اقرار الحقيقة او تقديم تفسير واقعي وصادق لتصريحات سعود الفيصل. فالوزير السعودي اكد تصريحاته مرارا معلنا موقف السعودية الرافض وهو ما يعني ان الادارة الاميركية تعيد الى الاذهان ما سبق وصرحت به على لسان بعض مسئوليها بأنها سوف تقوم باحتلال بعض القواعد العسكرية العربية رغما عن حكوماتها لاتخاذها منطلقاً لمهاجمة العراق. وايا كان الامر فإن الولايات المتحدة التي انتهكت سيادة لبنان واليمن مؤخراً قد تكون عازمة على تكرار نفس السيناريو بشكل اكثر قوة مع دول عربية اخرى، كي تحقق اهدافها ضد العراق. وما يقوي هذه النزعة لديها تمكن روسيا من فرض حصار على الولايات المتحدة بشأن استخدام القواعد العسكرية الموجودة في دول الكومنولث المستقلة، اذ اعلنت هذه الدول رفضها السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها ـ التي منحتها لها في العدوان على افغانستان ـ لتنطلق منها في العدوان المرتقب على العراق. وجاء ـ ايضاً ـ نجاح الاسلاميين في تركيا ليزيد الى مأزق واشنطن مأزقاً جديداً. الواضح الآن ان كثيرا من السحب السوداء تحلق فوق سماء المنطقة العربية في ظل الابتزاز والتهديد الاميركي اللذين يقابلهما حالة من التراخي الحكومي العربي .