الخميس 2 رمضان 1423 هـ الموافق 7 نوفمبر 2002 يحكى أن حاتماً الأصم كان رجلاً كثير العيال، وكان له أولاد ذكور وإناث، ولم يكن يملك حبة واحدة، وكان قدمه التوكل، فجلس ذات ليلة مع أصحابه يتحدث معهم، فتعرضوا لذكر الحج، فداخل الشوق قلبه، ثم دخل على أولاده، فجلس معهم يحدثهم، ثم قال لهم: لو أذنتم لأبيكم أن يذهب إلى بيت ربه في هذا العام حاجاً، ويدعو لكم، ماذا عليكم لو فعلتم؟ فقالت زوجته وأولاده: أنت على هذه الحالة لا تملك شيئاً، ونحن على ما ترى من الفاقة، فكيف تريد ذلك ونحن بهذه الحالة؟ وكان له ابنة صغيرة فقالت: ماذا عليكم لو أذنتم له، ولا يهمكم ذلك؟ دعوه يذهب حيث شاء، فإنه مناول للرزق، وليس برزاق، فذكرتهم ذلك، فقالوا: صدقت والله هذه الصغيرة، يا أبانا انطلق حيث أحببت، فقام من وقته وساعته وأحرم بالحج، وخرج مسافرا، واصبح اهل بيته يدخل عليهم جيرانهم، يوبخونهم كيف أذنوا له بالحج، وتأسف على فراقه أصحابه وجيرانه، فجعل أولاده يلومون تلك الصغيرة ويقولون: لو سكتت ما تكلمنا، فرفعت الصغيرة طرفها إلى السماء، وقالت: إلهي وسيدي ومولاي، عودت القوم بفضلك وأنك لا تضيعهم فلا تخيبهم، ولا تخجلني معهم، فبينما هم على هذه الحالة إذ خرج أمير البلدة متصيداً، فانقطع عن عسكره واصحابه، فحصل له عطش شديد، فاجتاز ببيت الرجل الصالح حاتم الاصم، فاستسقى منهم ماءً، وقرع الباب فقالوا: من أنت؟ قال: الأمير ببابكم يستسقيكم، فرفعت زوجة حاتم رأسها إلى السماء وقالت: إلهي وسيدي، سبحانك، البارحة بتنا جياعاً، واليوم يقف الامير على بابنا يستسقينا! ثم إنها اخذت كوزاً جديداً وملأته ماءً، وقالت للمتناول منها: اعذرونا، فأخذ الامير الكوز وشرب منه، فاستطاب الشرب من ذلك الماء فقال: هذه الدار لأمير؟ فقالوا: لا والله بل لعبد من عباد الله الصالحين، يعرف بحاتم الاصم. فقال الامير: لقد سمعت به، فقال الوزير: يا سيدي لقد سمعت انه البارحة احرم بالحج وسافر ولم يخلف لعياله شيئاً، واخبرت انهم البارحة باتوا جياعاً، فقال الامير: ونحن أيضاً قد ثقلنا عليهم اليوم، وليس من المروءة ان يثقل مثلنا على مثلهم، ثم حل الامير منطقته من وسطه ورمى بها في الدار، ثم قال لاصحابه: من احبني، فليلق منطقته، فحل جميع اصحابه مناطقهم ورموا بها اليهم، ثم انصرفوا، فقال الوزير: السلام عليكم أهل البيت، لآتينكم الساعة بثمن هذه المناطق، فلما أنزل الامير رجع إليهم الوزير، ودفع إليهم ثمن المناطق مالاً جزيلاً واستردها منهم، فلما رأت الصبية الصغيرة ذلك بكت بكاءً شديداً، فقالوا لها: ما هذا البكاء؟ إنما يجب ان تفرحي، فإن الله قد وسع علينا، فقالت: يا أم، والله إنما بكائي كيف بتنا البارحة جياعاً، فنظر إلينا مخلوق نظرة واحدة، فأغنانا بعد فقرنا، فالكريم الخالق إذا نظر إلينا لا يكلنا إلى أحد طرفة عين، اللهم انظر إلى أبينا، ودبره بأحسن التدبير. أبوصخر