الخميس 2 رمضان 1423 هـ الموافق 7 نوفمبر 2002 من خلال المتابعة الطويلة والمتأنية للبرامج الحوارية السياسية تحديدا، على شاشات الفضائيات العربية يلاحظ المشاهد العربي ان هناك قدرا لا بأس به من الحرية في تداول الشأن السياسي العربي وازمة النظام الرسمي في علاقته مع المواطن وهذا ما لم يألفه المشاهد العربي طيلة عقود طويلة من عمر الاعلام. لقد تعود المواطن العربي على ان يجاهر ببعض القضايا التي قد تهمه وقد لا يكون في طرحها ضرر، وسكت على قضايا جذرية خوفا او تواطؤا مع الانظمة حفاظا على مصالحه. وباعتبار ان ثقافة المسكوت عنه مازالت سائدة، فان حملات الطعن والتشكيك قد طالت الكثيرين ممن كسروا حواجز هذه الثقافة ضمن هذه البرامج. انه ومن خلال هذه البرامج عرفنا اشخاصا كثيرين، لمعت اسماء بعينها صارت تتكرر على معظم الفضائيات، وبدأ الهمس حول هذه الشخصيات، وبدأ التشكيك في دورها وعلاقاتها وبدأنا نسمع ونقرأ عن ان فلانا عميل للمخابرات الاميركية، وفلانا يقبض من النظام الفلاني ليقول ما يقوله على الشاشات، والصحفى الفلاني ذو تاريخ مشبوه مع الموساد الاسرائيلي وهلم جرا. هذه الاتهامات بحد ذاتها ليست جديدة وبخاصة تهمة الانتماء او الولاء او العلاقة بالمخابرات الاجنبية لكنها اليوم صارت تهمة راسخة تقلل من مصداقية الحوار والمتحاورين وتدلل على الذهنية السائدة عندنا في تعاطينا مع قضايانا، وهي ذهنية ترتكز بشكل واضح على الايمان بنظرية المؤامرة وعلى الطعن في نزاهة الآخرين وشرفهم بكل بساطة وبدون دليل او بينة تحقيقا لاغراض شخصية او دليلاً على فساد النوايا والتوجهات. وحتى الصحفيون انفسهم حينما يتصدون لتناول قضية معينة او ينطلقون في حوارات مع شخصيات او يكتبون عن اتجاهات يعتقدون بحسب معلوماتهم وتقديراتهم انها تصب في الصالح العام، فانه سرعان ما توجه اليهم سهام التشكيك، ولا يتورع البعض عن اتهامهم بأن لهم مصلحة شخصية مع هذا، ومصلحة ذاتية مع ذاك حتى لو كانت الشخصية التي كتب عنها من ذلك النوع الذي لا يمكن الالتقاء معهم في الحياة لاسباب مختلفة. ذات يوم كتبت أحيي توجهات ومساعي السيد عمرو موسى الامين العام للجامعة العربية عندما تولى مهامه وبادر للاصلاح والتغيير، فما كان من احد القراء الا ان انتفض غاضبا مستغربا مما كتبت، متسائلا عن سببه وسره؟! وعندما احتج أحد الصحافيين العرب على التوجهات السياسية لبعض الانظمة العربية تجاه القضية الفلسطينية تبارت بعض الأقلام وبعض المواقع في اظهاره بمظهر العميل للمخابرات الاميركية والاسرائيلية، وسردوا صحائف طويلة من تاريخه وعلاقته بأشخاص معينين يرتبطون بالموساد مباشرة!! وعندما بدأ يظهر على شاشة فضائية عربية اخرى قيل عنه بأنه غير البوصلة وبدأ يقبض من الدولة صاحبة هذه الفضائية!! وكأن الصحفي او الانسان لا يمكنه ان يكون نزيهاً ابداً وبأن اي كلمة يقولها يجب ان ترتكز على حسابات المصالح وعدد الاصفار في الشيكات المقبوضة. لا ندافع عن احد ولا نعرف ولا نبحث عن تاريخ الناس لان اتهام الآخرين سلوك شائن اولا، ومسلك يوجب التزامات من الادلة والبراهين وحلف اليمين والبينات ثم ان التشكيك في كل شخص وفي اي شيء يقود المجتمع الى حالة من الكفر بكل المباديء والمثل، والانسياق وراء التضليل والادعاءات فلا يعود لصاحب الكلمة احترام ولا لصاحب الرأي وزن ولا للمعارض مكان، ولا للمستقل برأيه السياسي شأن يذكر، وهذا لا يخدم احدا في المجتمع، بقدر ما يصب ولا في مسيرة السقوط اكثر في هاوية الكبت السياسي وقمع الحريات وهذا ما لا نجده الا في مجتمعاتنا العربية ومجتمعات العالم الثالث التي لم تترب على الحرية وعلى قول الحق والبحث عن الحقيقة وتوفير المعلومات بيسرٍ وسهولة واعتبارها حقا لافراد المجتمع بدون استثناء او تمييز. ان من حق الانسان ان يعارض نظامه السياسي اذا رأى منه كل اشكال القمع والظلم واضطهاد البشر والتنكيل بالاحرار والشرفاء من المواطنين، فاذا صدع برأيه ضد هذا النظام، فهذا لا يعني بالضرورة انه عميل للمخابرات الاميركية، واذا كتب في الصحف عن رأيه فان ذلك ايضا لا يعني بأنه يقبض عشرات الآلاف من الدولارات من سفارات اميركا، ولكن للاسف هذا ما يقوله البعض على الهواء مباشرة ليقدموا دليلا بأننا لم نترب على الحرية ولا نعرفها ابدا، وان اي شكل من اشكالها فانما هو ليس حرية في الاصل ولا حقا قائما على وعي وادراك وانما غوغائية او تواطؤ مدفوع الحساب وبالدولارات تحديدا!!