الخميس 2 رمضان 1423 هـ الموافق 7 نوفمبر 2002 حتى الآن لا أعرف السر المدهش الذي جعلني أقفز فورا الى الساحة الأدبية في القاهرة، وأنا الذي جئت من القرية بلا خبرة، ولا أعرف من القاهرة شارعا واحدا. وخلال سنوات قليلة كنت أحفظ الخارطة الأدبية من قمتها إلى أدناها كما لو كنت أعيش فيها منذ ألف عام. واكتشفت مبكرا أن بعض (الأدباء) يستحقون الكتابة عنهم أكثر من اتاحة الفرصة لهم ليكتبوا. من هؤلاء أ.م الذي كتب قصتين قصيرتين طوال عمره المديد فقد وصل أخيرا الى السبعين. ونشر القصتين عدة مرات. لكن جهده الأدبي توقف عند هذا الحد، أما حضوره في الشارع فهو حضور طاغ وليس هناك من لا يعرفه ومن الجميل انه مازال متحمسا كما كان في الخمسينيات. اذكر انه منذ عام تقريبا ترك لي رسالة على سكرتارية التلفون يقول بلهجته الآمرة: يامحفوظ غدا في الساعة الثانية عشرة ظهرا سنتقابل في الميدان امام باب جامعة القاهرة، وسيأتي فلان وفلان وفلان. وبعد أن نتجمع سنتجه في مظاهرة الى السفارة الإسرائيلية ونهتف باغلاق السفارة ونحرق العلم الأميركي والاسرائيلي والايطالي. وحتى الآن لم أفهم السبب في حرق العلم الايطالي. وسمعت زوجتي الرسالة فحملقت في دهشة: ـ هل ستقوم بمظاهرة؟ قلت: ـ طبعا. اذا خرج معي الأولاد والاحفاد. لقد نسى أ.م سنه. وهذا شأنه لكنه أيضا نسى سني وهذه هي الكارثة. وعندما قابلته لآخر مرة كان يستند على عصا، فلما ذكرت الزمن الذي يجبرنا على استخدام العصا، ثار من التلميح وقال انه لا يحمل العصا ليستند عليها فهو لا يستند الا على عقله. أما العصا - وطوح بها في الهواء حتى خشيت أن تصيب رأسي - فهي للرد على الامبريالية العالمية وذيولها من الجواسيس والعملاء. أما ع.ا ولا أخشى أن أذكر اسمه فهو ليس صاحب عصا مثل أ.م وليس صاحب قبيلة مثل ج.ر الذي سأحدثك عنه بعد قليل. لكنني اتبعت أسلوبا ولن أخالفه من أجل ع.ا. وكان شاعرا اصابته حالة لا يعرف أحد لها تفسيرا. أعلن انه يبحث عن نفسه ولم يكن الاعلان مدهشا فكل منا يبحث عن نفسه. ولقد مرت علي لحظات كنت أتأمل وجهي في المرأة واتساءل من أنا. كما مرت علي فترات كنت أحاول أن أكشف عن نفسي وهل أنا نتاج تلك الجينات أو صناعة هذه الندوات أو جهد هذه التربية وأحاول أن أعرف فرز كل شيء عن الآخر. فإذا كنت أنا هكذا وأنا الرجل العاقل أو هكذا أظن ولعلك لا ترى العكس، فلماذا لا يفكر الجميع في البحث عن أنفسهم. ولكن بحث ع.ا عن نفسه كان غريبا. ترك مشاغل الدنيا وسكن في كوخ خشبي في الهرم أيام كان أقل الأماكن في القاهرة ازدحاما بالسكان. وكان الكوخ الفقير يحوي مجموعة من الازياء: بقايا افرنجية، زيا ازهريا، جلبابا لأحد أولاد البلد الخ. وكان يخرج من الكوخ مرة كل فترة. يستيقظ فيحس برغبته في الخروج. يقف متسائلا: من أنا اليوم؟ ويرتدي ثياب الشخصية ليواجه بها الحياة. أما الثالث فهو ج.ر فهو من قبيلة شديدة السطوة ولذلك فالحروف ليست حقيقية، ولقد استعرتها من شخصية أخرى مشابهة. كان ج.ر أكبر منا سنا بكثير، لكنه كان يعتبر نفسه أديبا ناشفا مثلنا، ولذلك كان يصادقنا، ويناقش معنا قضيته الأولى في ذلك الوقت وهي امكانية النشر في أية صحيفة أو مجلة. وكانت معظم الصحف والمجلات تعتمد على الكتابة بالقطعة أكثر من اعتمادها على كتاب موظفين. وكان هناك طائفة كبيرة - وكنت واحدا منهم - تعتمد في النشر على التقدم لمختلف الجهات. وكانت هذه الجهات تدفع مقابل القصة أو القصيدة أو المقالة جنيهات معدودة هذا اذا دفعت، ولكنها كانت كافية لحل مشاكلنا. واذكر زميلا لنا كان متأنقا. ولما تحدثت في ذلك أشار الى البدلة وقال انها من فلوس جريدة المساء.. والى القميص انه من روزاليوسف.. وان (الكرافتة) من الجمهورية. وكان هناك أنواع من الأدباء الشبان فهناك من يخجل من التقدم الى الصحف. وعلى الأكثر يسرب عمله من خلال شخص آخر. لكن كان هناك من يلحون. وكان سكرتير تحرير احدى المجلات يقول عن أحدهم انه يقدم مقالا فإذا لم يجد استجابة قدم قصته فإذا رفضت قدم قصيدة وهكذا. واكتشف ج.ر اكتشاف العصر فلقد جمع أرشيفا هائلا لم نعرف أبدا أين كان يخفيه، ولم نعرف بعد موته أين ذهب. وصنف تواريخ مولد ووفاة الشخصيات المعروفة. وقبل المناسبة كان يدبج مقالا في مولد أو وفاة بيرم التونسي أو طه حسين أو بوشكين أو عزيزة أمير أو كاترين الثانية أو شكسبير أو بونابرت أو أي شخص يعرفه المحرر. واستطاع ج.ر أن يسبقنا جميعا في النشر، حتى حاول البعض منافسته، لكن أحدا لم يستطع مجارته في مقالات المناسبات. ورفع الجميع الراية البيضاء مستسلمين امام قوته القاهرة، الى ان خرج له منافس يبدأ أسمه بلقب دكتور وكان ج.ر يقول لنا انه لا دكتور ولا حاجة. حقا انه حاصل على الدكتوراه ولكن ذلك بالجامعة، فهل مجرد موظف في المكتبة. وكان يأتينا كل يوم بخبر: منافسه دخل المستشفى. زوجة منافسه طلبت الكلام. اكتشفوا انه زور شهادة الابتدائية ولذلك سيسحبون منه الدكتوراه تقدم احدهم باتهامه بسرقة مقال منه. ونتيجة جهوده في الاساءة الى سمعة منافسه، رفع الجميع أيديهم عن منافسة ج.ر. وج.ر وريث كتاب المناسبات وهم كثيرون. واحيانا تكون كتابة المناسبات شيئا لطيفا ولكنها في غالب الأمر تكون شيئا شديد السخافة. ومنذ بدأت التعرف على الشعر كنت منحازا لحافظ ضد شوقي. أو أن حافظ ابراهيم هو الفقير المظلوم فدائما يذكرونه بعد شوقي. وكنت أحس انني من انصار الضعفاء على اعتبار ان شوقي هو القوى الذي يعتمد على ضلته بالقاهرة وعلى ثروته وشهرته. وفقدت حماسي لحافظ على مراحل. كان من أهمها عندما قرأت رثاءه في محمد المويلحي وكان صديقه ونصيره وحليفه في صراعاته فإذ به رثاء سخيف لا يليق بهذا أو بذاك. كرهت أدب المناسبات وكرهت نفسي عندما تساءلت: أليس من الأفضل أن كتبت هذه الاستراحة عن رمضان؟ وأجبت انني نادرا ما اقرأ ما يكتب في المناسبات فلو كنت قارئا لنفسي لما قرأت ما سأكتبه عن رمضان. ثم حاورت نفسي وما أكثر ما أفعل وقلت: ولكن هذه هي الفرصة للحديث عن شهر رمضان هل انتظر صفر أو محرم أو شعبان لاتحدث عن رمضان؟ ثم ماذا أقول؟ ذكرياتنا جميعا متشابهة في شهر رمضان يسألونني في الاذاعة والتلفزيون عن ذكرياتي في هذا الشهر. وأنا ما فعلت فيه أكثر مما فعلوه. ربما كان رمضان هذا يتميز بالنسبة لي انني أفلت من أي عمل الشاشة أو الاذاعة، وبالتالي أتامل ما أرى من شرفة المشاهدين، وهو دور أحبه أكثر. ولابد أن أتوقف فأنا أكاد أكتب عن رمضان رغم مقاومتي!