الخميس 2 رمضان 1423 هـ الموافق 7 نوفمبر 2002 ربما يتوخى قادة «حزب العدالة والتنمية» في تركيا غاية الحذر في تطبيق اجندتهم الاسلامية كما توحي تصريحاتهم المتحفظة، كاجراء «تكتيكي» مرحلي الى ان تثبت اقدامهم تماماً على أرضية السلطة. لكن يبقى المغزى التاريخي المذهل لاكتساحهم الانتخابات العامة للمرة الاولى الى حد الانفراد بالتشكيل الحكومي نقطة تحول حاسمة على المسرح السياسي التركي. فالصورة التي افرزتها عملية انتخابية شارك فيها 41 مليون تركي في معية الاسلاميين من ناحية في مواجهة المؤسسة العلمانية بطاقم جنرالاتها ورؤاها الاتاتوركية. لكن مع ذلك ليس من الحكمة في شيء التقليل من الاخطار الجسيمة التي تواجه تنظيماً اسلامياً يظفر بالسلطة بارادة شعبية جارفة في دولة كتركيا يعتبرها الغرب قلعة متقدمة لصد رياح المد الاسلامي. واذن فإن مما يبعث على ارتياح كل مسلم ان قادة «حزب العدالة والتنمية» يفطنون الى ضرورة التحلي بأدوات المرونة والحذر والنأي عن المسلك الاستفزازي. من هنا نفهم ما ورد على لسان رجب اردوغان زعيم الحزب من ان على رأس اولوياته مواصلة العملية التفاوضية بشأن ترشيح تركيا للانضمام الى عضوية الاتحاد الاوروبي. فمن الفوارق العجيبة ان في قبول عضوية تركيا في النادي الاوروبي خير ضمان لحماية التنظيمات الاسلامية بما فيها «حزب العدالة والتنمية» من النوايا الشريرة لطغمة الجنرالات. فلكي تستوفي تركيا شروط الانضمام الى العضوية الاوروبية فإن نطاق ومستوى الحريات المدنية يجب ان يتطابقا مع مستوى دول الاتحاد الاوروبي. واذا طبقت هذه المعايير في تركيا فانه سوف ينشأ وضع دستوري جديد يكف أيدي الجنرالات عن التحرش بالتنظيمات السياسية. وكما نعلم فإن «حزب العدالة والتنمية» هو خلف «حرب الفضيلة» الذي كان بدوره خلفاً لحزب «الرفاه» اللذين تزعم كلا منهما الزعيم الاسلامي المخضرم نجم الدين اربكان. وقد عمد الجنرالات الى حظر هذين الحزبين لا لأي سبب الا لأن كلا منهما يحمل أجندة اسلامية. والآن فإن «حزب العدالة والتنمية» يواجه رغم اكتساحة الانتخابي خطراً مماثلاً. فقبل بداية العملية الانتخابية رفع المدعي العام، بايعاز من الجنرالات، دعوى دستورية ضد الحزب مطالباً بحظره. لكن الوضع الآن اختلف في ظل وصول «العدالة والتنمية» الى السلطة بتفويض شعبي شبه كامل مما وفر له اغلبية برلمانية تمكنه من اجراء اصلاح دستوري من شأنه ان يغل يد الطغمة العسكرية. لكن لكي يمضي قادة الحزب في مثل هذا الطريق الشائك فانهم بحاجة الى مساندة من الاتحاد الاوروبي.. ومن هنا ندرك لماذا يجعل اردوغان من مسألة ترشيح تركيا لعضوية الاتحاد اولوية اولى.. بقدر ما نفهم تصريحاً آخر له يفيد بأن اولوية الحزب داخلياً هي توسيع نطاق حريات المواطنين. على ان للفوز الانتخابي الكاسح لحزب «العدالة والتنمية» في تركيا معنى ينطوي على رسالة حادة اللهجة الى العالم عامة والولايات المتحدة خاصة بأنه حتى في دولة كتركيا عضو في حلف الاطلسي فإن الشعب يتحدى مناخ ما بعد «احداث سبتمبر والحرب العالمية الاميركية ضد «الارهاب» بأن يخذل «الاحزاب التقليدية الموالية لاميركا لصالح تنظيم اسلامي الهوية. وممايشحذ من حدة هذه الرسالة القوية ان الفوز الانتخابي للاسلاميين في تركيا يأتي على اثر فوز رفاقهم في باكستان الشهر الماضي رغم انها مثل تركيا تخضع لحكم عسكري يعتبر من اقوى حلفاء واشنطن في الحرب ضد «الارهاب». وربمايكون المغزى الاعمق للرسالة هو التأكيد بصورة غير مباشرة على ان الانظمة الاستبدادية الحاكمة في العالم الاسلامي لاتمثل في الحقيقة ارادة شعوبها وانه بالتالي لو اتيح للتنظيمات الاسلامية المعارضة في تلك البلدان فرصة التنافس الحر لسجلت انتصارات مبهرة. ان انتصار الشعب للاسلاميين في تركيا يجب ان ينظر اليه كنقطة تحول تاريخية. فباستثناء حزب واحد فشلت جميع الاحزاب التقليدية التركية في الظفر ولو بمقعد برلماني واحد.. وكأنما اراد الشعب التركي اخيراً ان يعاقب قادتها على تاريخ طويل من الهوان والفساد والعمالة. وبالطبع فإن من الغباء ان نستنبط من ذلك ان المؤسسة العلمانية الاتاتوركية سوف تتلاشى بين يوم وليلة. لقد عاش الشعب التركي حتى الان جيلاً بعد جيل نحو ثمانين عاماً تحت ظل المؤسسة العلمانية. ولكن ان يدفع الشعب التركي بتنظيم ذي اجندة اسلامية الى السلطة حتى بعد رسوخ العلمانية الوثنية لثمانية عقود متعاقبة فإن المغزى هو انه لا توجد بعد قوة بشرية تستطيع ان تلغي نهائياً هوية اصيلة لشعب بأكمله مبنية على عقيدة دينية سماوية وعلى تراث تاريخي اسلامي ينيف عمره على عشرة قرون.