الخميس 2 رمضان 1423 هـ الموافق 7 نوفمبر 2002 لن ينقضي عام 2002 إلا ويكون الاتحاد الاوروبي اتخذ قراره الحاسم والنهائي في شأن قبول عضوية عشر دول اخرى في الاتحاد استجابت لشروط الانضمام اليه، ليرتفع بذلك عدد الدول المنضوية تحت لوائه الى خمس وعشرين دولة، وسيصدر هذا القرار عن قمة كوبنهاغن الاوروبية المقرر عقدها في ديسمبر المقبل، ومن المتفق عليه ان يتم تثبيت عضوية الدول المذكورة بصورة رسمية في الربع الاول من العام المقبل، عبر توقيع معاهدات الانضمام الى الاتحاد، على ان يحتل الاعضاء الجدد مقاعدهم داخل الاتحاد في مطلع عام 2004 ويتحملون مسئولياتهم بمساواة كاملة مع الاعضاء السابقين. والدول العشر التي اعلنت المفوضية الاوروبية استجابتها لشروط الانضمام الى الاتحاد الاوروبي هي: قبرص، مالطا، تشيكيا، سلوفاكيا، هنغاريا، سلوفينيا، ودول البلطيق الثلاث: ليتوانيا، استونيا، ولاتفيا، اما الدول الاخرى التي ظلت تحت الاختبار بانتظار استجابتها لشروط الاتحاد الاقتصادية والقانونية والسياسية فهي: رومانيا، بلغاريا، وتركيا،وان يكن للاخيرة ملف خاص ينطوي على الكثير من الجوانب المعقدة. وتمثل هذه الخطوة تطوراً بارزاً في مسيرة الاتحاد الاوروبي وفي خططه التوسعية في مختلف الاتجاهات الجغرافية. فمن «الاسرة الاوروبية للفحم والفولاذ» التي ابصرت النور عام 1951 استناداً الى شراكة فرنسية ـ المانية في انتاج الفحم واستهلاكه، الى «الاسرة الاقتصادية الاوروبية» التي تشكلت عام 1957 من ست دول اوروبية هي: المانيا، فرنسا، ايطاليا، هولندا، بلجيكا واللكسمبورغ، قبل ان يرتفع العدد الى تسع دول بانضمام بريطانيا وايرلندا والدنمارك اليها. ثم انضمت ثلاث دول اخرى الى هذه «الاسرة» عام 1986 هي: اليونان، اسبانيا والبرتغال. وشهد عام 1992 ولادة الاتحاد الأوروبي، الذي وجد تعبيره الاقتصادي بعد ذلك بانشاء السوق الأوروبية المشتركة عام 1993، وبلغت عملية التوسع مرحلتها الراهنة بانضمام النمسا وفنلندا والسويد الى الاتحاد الأوروبي عام 1995، ليستقر عدد الدول الاعضاء عند خمس عشرة دولة. وخلال ذلك كانت عملية بناء الاتحاد مستمرة بوتيرة عالية: اسسه الاقتصادية والادارية، تشريعاته، مؤسساته، برلمانه، علاقاته الخارجية، وأخيرا وليس آخراً: عملته الموحدة (اليورو). مسألة الهوية وبرغم هذا التطور الرئيسي الذي سينشأ عنه امتداد وجود الاتحاد الأوروبي ونفوذه ومصالحه الى حدود روسيا وأوكرانيا ومناطق جديدة في الشرق الاوسط، فضلا عن امتلاكه اقتصادا قويا وعملة موحدة، ومؤسسات تشريعية، وشراكات متوسطية واعدة، الا انه لم يستطع ان يحسم العلاقة بين الهوية والقومية، والتي تشهد على الدوام تفاعلات داخلية لا يمكن التقليل من شأنها. ومع ان تباين المواقف بين بعض الاعضاء يتخذ مظاهر اقتصادية، كما هو الحال بالنسبة للمعارضة التي تبديها بريطانيا وهولندا ودول اخرى لدعم القطاع الزراعي الفرنسي، فضلا عن انزعاج الاولى من استمرار حظر استيراد المواشي البريطانية بسبب الخوف من تجدد انتشار مرض جنون البقر، لكن المحللين يعتبرون ذلك مؤشرا على الفشل في التخلص من النزعات القومية التي تقدم المصالح الوطنية للأعضاء على المصلحة الأوروبية الشاملة. ولعل اجراء بريطانيا على البقاء خارج نطاق العملة الاوروبية الموحدة، يقدم دليلا اخر على استمرار وجود عوائق كثيرة امام الاندماج الاوروبي، هذا اذا وضعنا جانبا التناقضات السياسية، وهي كثيرة وذات تأثيرات سلبية متزايدة. وحتى فرنسا التي تعتبر الى جانب حليفتها الرئيسية المانيا ـ القاطرة الاساسية للاتحاد الاوروبي، والاكثر تشددا في تفعيل المؤسسات الاوروبية وتعزيز الدور الاوروبي، اقتصاديا، وسياسيا وثقافيا، لم تستطع تحقيق اجماع حول الهوية الاوروبية الجامعة، حيث ظل الجدل الداخلي دائرا حول هذه المسألة، وان كان الأمر يتخذ شكلاً يمينياً ويساراً. يقول الرئيس الفرنسي جاك شيراك «ان اوروبا ليست سوقا فحسب بل قد تصبح قوة عظمى في المستقبل، لكن ذلك لن يحدث الا اذا اتحدت»، يتخذ ليونيل جوسبان رئيس الحكومة وزعيم الحزب الاشتراكي السابق، موقفا مغايرا. فهو يعلن «انني فرنسي. وانني لا أشعر ذاتي اوروبيا. ولهذا اريد لأوروبا ان تؤكد هويتها، ولكن من دون ان تلغي هويات الامم الاوروبية» ثم يوضح جوسبان فكرته بالقول «ليس المطلوب ان تتحد أوروبا على طريقة الولايات المتحدة الاميركية، او على طريقة الاقاليم الالمانية المتحدة. فالمطلوب ان نصنع اوروبا من دون ان نحل فرنسا». ان هذا التباين قد يبدو مجرد «اجتهاد نظري» فحسب. لكن الحكم الفرنسي الحالي بقيادة الرئيس شيراك يطرح «الوحدة الأوروبية» كخيار أوروبي سياسي، وفي صورة رسمية. اذ يقترح وزير الخارجية دومينيك دوفيلبان ان ينتخب المجلس الاوروبي (يضم قادة الدول الاوروبية) رئيسا لأوروبا لولاية تمتد خمس سنوات، «لتتمكن القارة الاوروبية من اداء الدور السياسي المناط بها» لكن الاقتراح الفرنسي يرى انه من الافضل ان يتم اختيار للرئيس من خارج «المجلس الاوروبي»، اي ان لا يكون من بين رؤساء الدول الذين ينحصر فيهم حق الاختيار. ويشمل الاقتراح الفرنسي ايضاً انتخاب وزير للخارجية الاوروبية، واعداد دستور لاوروبا الموحدة. ذلك ان اتحاد الاوروبي لا يزال حتى الان. من دون دستور. والهدف من هذا الاقتراح ـ كما يقول الوزير الفرنسي ـ جعل الدور السياسي لاوروبا موازياً لدورها الاقتصادي، مما يضاعف من فاعلية هذا الدور على المستوى العالمي، «فاوروبا هي القوة الاقتصادية الاولى في العالم واول من يقدّم المساعدة الى الدول النامية، وبالتالي يصبح من الضروري ان تؤكد وجودها السياسي». الوضع الدستوري انطلاقاً من هذه الطروحات، ثمة من يتوقع ان يكون الوضع الدستوري للاتحاد الاوروبي البند الرئيسي على جدول اعمال قمة كوبنهاغن في ديسمبر المقبل. فتوسيع الاتحاد ليصبح عدد اعضائه خمساً وعشرين دولة، يتطلب وضعاً دستورياً، واضحاً ومستقراً، في حين تبرز تباينات بين الاعضاء في شأن الصيغ الدستورية التي سيتم اعتمادها. ففرنسا تريد ان يكون رئيس المجلس الاوروبي (الذي يعين لفترة طويلة) الصوت الاوروبي الرئيسي في الشئون العالمية، بينما تدعو المانيا الى تعزيز سلطة رئيس المفوضية الاوروبية المنتخب من طريق البرلمان الاوروبي، ويشغل هذا الموقع حالياً الايطالي رومانو برودي. من الواضح اذاً ان قمة كوبنهاغن (12/13 ديسمبر) ستشكل احدى المحطات الرئيسية في مسيرة الاتحاد الاوروبي الطويلة، ليس فقط بسبب قرارها ضم هذا العدد الكبير من الدول الى الاتحاد دفعة واحدة، وانما ايضاً لأن ثمة مشاكل كثيرة سيثيرها قبول عضوية الجمهورية القبرصية (جنوب الجزيرة المقسمة منذ عام 1974)، في الوقت الذي تهدد تركيا بضم الشطر الشمالي من الجزيرة اليها بصفة نهائية اذا جرى تجاهل ارادتها ومصالحها. كذلك فإن مسألة تأجيل اتخاذ قرار ببدء المفاوضات مع تركيا في شأن انضمامها هي الى الاتحاد، تثير هي الاخرى مشاكل مماثلة. فالمفوضية الاوروبية ترى ان تركيا لم تستجب تماماً لشروط الانضمام الى الاتحاد لأن الاصلاحات السياسية والاقتصادية والقانونية التي نفذتها غير كافية حتى الان، خصوصاً فيما يتعلق بالتعددية السياسية وحرية التعبير وحقوق الانسان، حيث تتهم السلطات التركية بأنها تمارس التعذيب على نطاق واسع داخل السجون، كما تميّز في المعاملة بين القوى والاحزاب السياسية. كذلك يؤخذ على تركيا انتشار الفساد فيها، على المستوى الرسمي، وارتفاع نسبة التضخم ووقوع عجز هائل في الميزانية العامة، فضلاً عن تحكّم المؤسسة العسكرية، ذات النفوذ، بالقرار السياسي، بذريعة الحفاظ على الاستقرار في البلاد. وهو ما يلغي عملياً دور الاحزاب السياسية. من ناحية اخرى، هناك اطراف داخل الاتحاد الاوروبي ترفض ضم تركيا الى الاتحاد بينما هي تحتل جزءاً من قبرص وتحشد ما يزيد على ثلاثين الف جندي في الشطر الشمالي من الجزيرة. الى ذلك فإن تركيا لم تسو حتى الان مشكلة نزاعها الحدودي مع اليونان، ما يضيف عقبة اخرى الى مجموع العقبات المشار اليها سابقاً. المراقبون يعتقدون ان تسوية هذه المشكلة المزدوجة (انضمام الجمهورية القبرصية وانضمام تركيا الى الاتحاد) لابد ان تتم وفقاً لواحد من احتمالين: الاحتمال الاول، يتمثل في التوصل الى صيغة اتحادية تنهي الصراع التاريخي بين شطري الجزيرة القبرصية المقسمة. علماً بأن المساعي التي بذلتها الامم المتحدة حتى الآن وصلت الى طريق مسدود بسبب تمسك كل من الطرفين بموقفه. والاحتمال الثاني، عقد صفقة مع تركيا يتم فيها ضم الجمهورية القبرصية (جنوب الجزيرة) الى الاتحاد، وبتقديم مساعدات اوروبية الى الشطر الشمالي في الوقت نفسه، مقابل اتخاذ قرار في قمة كوبنهاغن بالموافقة على بدء المفاوضات مع انقرة في شأن انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، وإذا ما اعتمد الخيار الثاني فإن المفاوضات مع تركيا لن تبدأ قبل الربع الأول من عام 2004، أي بعد اتخاذ الدول العشر المنضمة حديثاً مواقعها داخل الاتحاد رسمياً، بما في ذلك الجمهورية القبرصية. وهناك من يرى ان ضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي سيجعل مواقفها اكثر مرونة وسيخفف من غلوائها فيما يتعلق بوضع تسوية نهائية للمشكلة القبرصية. يقول رئيس الحكومة التركية بولند أجاويد ان «انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي حق لا نستطيع التخلي عنه، وليس وارداً البحث عن بدائل أخرى على الرغم من بعض الصعوبات والاحباطات التي نواجهها». ولكن إذا كان لدى تركيا كل هذا الاصرار على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي فلابد لها من ان تدفع الثمن المطلوب، بالمقابل، ذلك ان بطاقة التوصية الأميركية التي تحملها لا تكفي وحدها لفتح الابواب المغلقة في وجهها. بقي القول ان جائزة كبيرة تنتظر الفائزين بعضوية الاتحاد الأوروبي، فرئاسة الاتحاد خصصت 25 مليار يورو لدعم مشاريع التنمية والتحولات الاصلاحية في الدول العشر المقرر ان تحمل البطاقة الأوروبية بعد نحو عام من الآن، على ان ينفق هذا المبلغ خلال الأعوام من 2004 إلى 2006 والهدف من ذلك تأهيل الدول المذكورة لمواكبة المسيرة الاتحادية من دون عقبات ومشاكل داخلية رئيسية. ـ كاتب لبناني