الخميس 2 رمضان 1423 هـ الموافق 7 نوفمبر 2002 منذ اصطلحت المجتمعات البشرية على أن يعيش الناس في اطار منظومة سياسية اسمها الدولة - ملكية كانت أو جمهورية - فقد ظل السؤال الأساسي مطروحا على اختلاف العصور وهو: - من يؤثر في من؟.. المثقف أم الأمير؟ والمقصود بالأمير هو الحاكم أيا كان اللقب الذي يخلعونه عليه، في حين أن المقصود بالمثقف هو مستشار الحاكم المقرب اليه والمسموع لديه وصاحب الحظوة - بمعنى الثقة - عنده. هكذا تساءل المؤرخون والمحللون قائلين منذ قرون: - ترى من استطاع أن يؤثر في الآخر..؟ - ميكافيللي أم حاكم فلورنسا؟ لا يخفى عليك طبعا أن المقصود هو الكاتب السياسي الايطالي الذي عاش بين عامي 1467 أو 1527 وندب نفسه ليرصد أساليب الحكم التي ظل ينتهجها أفراد المدنيشي الشهيرة في قيادة فلورنسا وسياسة شعبها، ثم أصدر ميكافيللي كتابه الشهير بعنوان «الأمير» الذي يشرح فيه أنجع السبل - في رأيه - لكي يحوز الحاكم السلطة ويحتفظ بها. الأمير والمستشار إننا نذهب الى أن التأثير متبادل بين الحاكم والمستشار ولكننا نضيف أن الأمر يتوقف أيضا على شخصية رجل الحكم فإذا كان مجربا ومحنكا وكان مطلعا ومثقفا مستنيرا.. كان التاثير ايجابيا وضمن حدود الموضوعية، وفي اطار المعقول.. واذا كان المرء يعرف من أصدقائه كما تقول الحكمة الشائعة.. فإن الحاكم يعرف أيضا من نوعية مستشاريه.. وهو ما دفع الدارسين لأصول الحكم في زماننا الى التركيز بمزيد من البحث والتحليل على شخصيات المستشارين وخاصة على مستوى الادارة الحاكمة حاليا في البيت الأميركي الأبيض. لماذا؟.. لأن السلوك والفكر السياسي لأركان هذه الادارة أصبح له تأثيره البالغ.. لا في مقاليد الأمور المحلية - الداخلية بالولايات المتحدة، ولكن على مجريات الأمور على صعيد العالم كله.. ولاسيما فيما يتعلق بمقادير الحرب والسلام: حرب الكرة الأرضية وسلام البشرية بأسرها. ومع كامل الاحترام لمبدأ مساواة الدول في السيادة.. وهو قاعدة صميمية جوهرية، من قواعد القانون الدولي.. يظل بوسع أقطار أو دول أو كيانات جيوبوليتيكية مثل سانتا لوتشيا أو كيب فيردي (الرأس الأخضر) أن تتخذ ما شاءت من قرارات دون أن يعني ذلك طرفا آخر اللهم إلا في تخوم الجوار المباشر، ولكن يظل القرار الأميركي مطروحا للرصد والدرس وتحليل الدلالات بحكم الأوضاع التي آلت اليها أحوال القرن الحادي والعشرين - حيث القطب الواحد الذي ما برح يعلن مؤخرا عزمه على التصرف الانفرادي واستخدام القوى الجبارة لفرض ارادته على العالم والعصر. صراحة بوش الابن ومشكلة العالم مع قيادة أميركا أن رئيسها الأعلى جاء الى المنصب الأول في بلاده عن غير تجربة سبقت ولا خبرة تراكمت بأمور العالم وتعقيداته.. ورغم أنه ينتمي الى أب واسع الخبرة في أكثر من مضمار بالسياسة الخارجية والعلاقات الدولية فقد كان الابن صادقا حين دخل حملته الانتخابية في السباق الرئاسية منذ سنتين يصرح بغير مواربة أمام جيم ليهرر وهو أكبر مذيعي الشبكة الاذاعية العامة الأميركية قائلا: - «لن أمثّل أمام الناس دور الشخص الذي كان يسهر الليالي ساعات طويلة في دراسة السياسة الخارجية.. أنا كما أنا». وربما كان في هذه الصراحة المباشرة - رغم خشونتها - ما مسّ أوتارا في قلوب المشاهدين.. وربما كان فيها أيضا ما أثار استغراب المحللين الذين كانوا يتوقعون أمرا مغايرا من أحد المنتمين الى بيت الرئيس بوش - الكبير.. أمضى بوش الأب 12 سنة بالتمام والكمال نائبا للرئيس ثم رئيسا للدولة في البيت الأبيض.. وقبلها أمضى سنوات العمر.. زهرته وفترات نضجه واكتهاله مشتغلاً بالسياسة سواء في العمل البرلماني أو سفيرا - بل أول وأهم سفير لبلاده لدى الصين الشعبية وتولى - كما هو معروف - منصب مدير وكالة المخابرات المركزية بكل خطورة المنصب وأهميته الفائقة الحساسة.. وعمل مندوبا لأميركا - رئيسا لوفدها الدائم في الأمم المتحدة وهو منصب بالغ الأهمية بدوره إذ يحمل شاغله رتبة وزارية ويحضر اجتماعات مجلس الوزراء ويعتبرونه عميدا لهيئتهم الدبلوماسية، هذه البيئة بكل أبعادها الثرية وكل الخبرات التي كانت تتيحها للسيد بوش - الابن لم تؤثر فيه بقدر ما جاء الى منصبه الرفيع من مقعد حاكم ولاية تكساس مباشرة.. لا لكي يتمثل ثم يجدد ويطور تقاليد الحكم وخبراته من حقبة أبيه الرئيس الأسبق، ولكن لكي يأتي مستشاروه بأسس جديدة، بعضها بالغ الخطورة، في مجال السلم والتعاون والأمن الدولي. دراسة أميركية مهمة وفي دراسة متعمقة حقا نشرتها الكاتبة الأميركية فرانسيس فتزجيرالد (مجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس، 26 9/2002) تنعي الكاتبة على ادارة بوش الحالية أنها خالفت تقليدا ظل متبعا من جانب كل الادارات التي حكمت في البيت الأبيض منذ الحرب العالمية الثانية.. ويقضي هذا التقليد بطرح السياسة الخارجية للولايات المتحدة لحوار قومي واسع النطاق يشارك فيه المتخصصون والدارسون، سواء من أركان الحزبين الرئيسيين، الجمهوري والديمقراطي، أو من دنيا الأكاديميا ومراكز البحث العلمي أو من عالم المال والأعمال وعالم الممارسة الدبلوماسية وسائر المهتمين بالشأن الخارجي وقضايا العالم بشكل عام. وتحاول الكاتبة الأميركية أن تتخذ من الرئيس بوش - الأب اطارا مرجعيا أو أساسا للمقارنة فتصف الرئيس السابق بأنه كان «محافظا» (بحكم انتمائه للحزب الجمهوري« ولكنه كان «واقعيا» وهي تنقده لأنه في رأيها كان بطيء الحركة ولكنها تعود لتنصفه - بالأدق لتنصف فيه - ايمانه بمبدأ التعددية (عكس انفرادية الادارة الحالية) وباحترام أعراف وقواعد القانون الدولي. ثم تلخص الاستاذة فرانسيس فتزجيرالد رأيها في انجازات بوش - الأب فتقول: - لقد بذل الرجل قصاراه لاقناع (معاصريه) مثل تاتشر في انجلترا وميتران في فرنسا بالموافقة على اعادة توحيد شطري المانيا في اطار حلف الناتو. وأنجز بوش - الأب أيضا إنشاء التحالف الدولي الذي خاض حرب الخليج (إخراج العراق من الكويت) وعمل على تنظيم عقد مؤتمر مدريد لسلام في عام 1992 الذي جمع لأول مرة بين الاسرائيليين والفلسطينيين على صعيد واحد.. وكان بوش الأب في هذا كله يؤمن بتوخي الحيطة والحذر. فخلال ثورات شرقي أوروبا التي شهدتها ولايته وما واكبها من تداعٍ، ومن ثم انهيار الاتحاد السوفييتي ظل الرئيس (الأسبق) بوش ملتزما جادة الحذرة الحصيف حتى لا يستفز أي ردة فعل من جانب قوى المحافظين في موسكو. تحولات الحزب الجمهوري و.. هكذا كانت ولاية بوش السابق فما الذي دعا الى كل هذه التغييرات في ولاية بوش الراهن؟ والسؤال مطروح ومبرر لأن كثيرا من العناصر التي كانت نافذة في ادارة الأب ما لبثت أن وجدت دورها لكي تعمل وتؤثر في صنع القرار في ادارة الابن الحالية. إن الكاتبة الأميركية التي ألمحنا اليها تتصور لاجابة مثل هذا السؤال أمرين أساسيين: - أولا التغير الذي طرأ على تركيب وتوجهات القوى السياسية المؤثرة في مجريات الأمور في أميركا وفي هذا المضمار تقول فيتزجيرالد: - إن الفرق بين الأب والابن يواكب الفرق بين الحزب الجمهوري في عهد أيزنهاور أو عهد ريتشارد نيكسون (الخمسينيات والسبعينيات) وبين الحزب الجمهوري الذي اكتسى صبغة عقائدية مع أواخر السبعينيات وبعدها الثمانينيات وتركزت هذه الاتجاهات الايديولوجية في جنوب وجنوب غرب الولايات المتحدة.. لقد أصبح هناك حزب جمهوري جديد جسدته جيدا ادارة ريجان. - ثانيا الفروق في الشخصية على نحو ما عبر عنه برنت سكوكروفت وكان كبير مستشاري الرئيس بوش - الأب وقد شاركه - بحكم صداقتهما الحميمة - في اصدار مذكرات بوش في عام 1998 بعنوان «عالم يتحول» (قدمت «البيان» عرضا تحليليا وافيا للكتاب فور صدوره). والسيد سكوكروفت يشرح حكاية اختلاف الشخصية في حديث خاص مع الكاتبة فرانسيس فيتزجيرالد فيقول: - صحيح أن آراءنا كانت تختلف وكم حدث تباين في صفوفنا في وجهات النظر.. لكن كل هذه الاختلافات كانت محصورة داخل حدود الادارة الحاكمة (حقبة بوش - الأب) وكان الرئيس من بعد هو الذي يحسم الأمور وبعدها ينتهي الخلاف.. كان الأمر يتصل وقتها بكيفية ادارة الصراع بين الآراء والاتجاهات.. والمشكلة الآن أن الأمور خرجت الى نطاق العلانية. وهنا تعلق الكاتبة فيتزجيرالد قائلة: - السيد سكوكروفت، بطريقته المهذبة، كأنما يقول أن الرئيس بوش - الابن، الذي جاء الى الرئاسة دون أي معرفة بالشئون الخارجية، ليس في مقدوره اتخاذ قرارات أو حسم خلافات (بين مستشاريه) على نحو ما كان بمقدور أبيه الذي كان يتمتع بقدر أكبر من المعرفة والخبرة بتلك الأمور. نفوذ كوندوليزا في مثل هذا الفراغ من حيث الخبرة أو المعرفة.. يزداد، بل يتضخم إن لم يتورم نفوذ المستشار (أو مجموعة المستشارين). وربما يفسر هذا الجانب مدى ما أصبحت تتمتع به من كلمة نافذة وسلطة لا تبارى، الدكتورة كوندوليزا رايس.. مستشار الرئيس لشئون الأمن القومي أستاذة العلوم السياسية وعازفة البيانو المتمكنة التي أصبحت وجها مألوفا على أديم الشاشات والصفحات الأولى للجرائد والمجلات لدرجة أن الأيام القليلة المقبلة من شهر نوفمبر سوف تشهد صدور 3 كتب تتناول قصة حياتها وسيرتها الشخصية - الأكاديمية والسياسية منذ مولدها عام 1954 في ولاية الأباما الجنوبية التي كانت من أسوأ معاقل التمييز العنصري ضد السود الأميركيين. (يلفت النظر في هذا السياق بالذات أن واحدا من تلك الكتب المرتقبة لن تعني باصداره دار للنشر ولا مركز بحوث الأكاديميا ولا مؤسسة للثقافة، بل سوف تنشره شركة شيفرون للبترول(!) التي تتخذ لنفسها محلا مختارا في ولاية كاليفورنيا والتي كانت السيدة رايس عضوا في مجلس ادارتها لسنوات عديدة.. ويلفت النظر أيضا أن شركة «شيفرون» بلغ من اعزازها لمستشارة الأمن القومي الأميركي الحد الذي جعل الشركة تطلق اسم كوندوليزا على إحدى ناقلاتها.. وكان ذلك تحديدا في عام 1993 من حيث الزمان وكان من حيث المكان في حفل تدشين الناقلة النفطية في ميناء ريو دي جانيرو الشهير بالبرازيل). وثيقة الأمن القومي في شهر سبتمبر الماضي أصدر مكتب السيدة كوندوليزا رايس («كوني» كما يسميها المقربون اليها) وثيقة نراها جديرة باهتمام متعمق من جانب صانعو القرار ومخططو السياسة في الوطن العربي وعنوانها كما يلي: - «استراتيجية الأمن القومي» وفي مستهل هذه الوثيقة - التي أطلعت عليها دوائر الكونجرس وبذلك تحمل معنى المصادقة الرسمية من جانب سلطتي التنفيذ والتشريع - تقول السيدة رايس بشكل مباشر وصريح. - ليس هناك سوى نموذج وحيد ودائم لنجاح أي أمة أو دولة وهذا النموذج اسمه.. أميركا وتلك حقيقة راسخة وصادقة بالنسبة لأي شخص في أي مجتمع. هذه الوثيقة كانت موضع تحليل موجز من جانب كاتب أميركي آخر هو «نيكولاس ليمان» (العدد الممتاز من مجلة دي نيويوركر، المحور الخاص بعنوان أميركا في العالم 14/10/2002). وفي هذا السياق يلاحظ «ليمان» أن وثيقة السيدة رايس لا تلبث أن تتيه اعزازا بالقوة الجبارة غير المسبوقة لأميركا وأنها تعلن الغاء أو انتهاء سياسات الاحتواء أو الردع لتي تعدها من مخلفات عهد مضى وانتهى وبدلا من ذلك تؤكد أن أميركا في عهدها الأحدث (الراهن) سوف تستكمل من أسباب القوة ما يمكنها من قطع الطريق على اعدائها المحتملين كي لا تسول لهم أنفسهم أن يحشدوا قدرة عسكرية أملا منهم في تجاوز أو حتى مضاهاة قوة أميركا. أخيرا تعلن الوثيقة الأميركية التأكيد التالي: - نحن لن نتردد في أن نتصرف منفردين لو لزم الأمر كي نمارس حقنا في الدفاع عن النفس على شكل فعل اجهاضي (أو استباقي) مستخدمين في ذلك الاجراءات العسكرية. وعند هذا المنعطف يسجل الكاتب الصحفي ليمان ملاحظة مهمة حول هذا التغيير الذي يراه جذريا (ونراه خطيرا) الذي طرأ على أفكار وتوجهات مستشارة الرئيس الأميركي: - بين الاستعلاء الشديد والاستقواء الأشد بجبروت أميركا العسكري.. واعلان العزم على التصرف المنفرد من جانب واحد. - وبين ما سبق ونشرته الدكتورة كوندوليزا رايس نفسها في مقالة بحثية كتبتها على صفحات مجلة الشئون الخارجية (فورين أفيرز) في أوائل عام 2000 وفي هذه المقالة تقول: - «لا جناح بالتأكيد على من يفعل شيئا يعم به الخير والنفع على البشرية قاطبة.. ولا يمكن ببساطة أن تتجاهل أو تفرض العزلة على الدول القوية الأخرى التي لا تشارك أميركا القيم التي تؤمن بها..». هكذا تغيرت آراء المستشارة القومية من الحديث عن منفعة البشرية في عام 2000 الى الاستعلاء بسطوة أميركا في عام 2002.. وربما يكمن بعض التفسير في معاناة بلادها من جراء أحداث سبتمبر المأساوية وفي كل حال.. يظل الأمل معقودا: - أن تأتي مشورة المثقف يسديها للأمير بما يحقن الدم ويعزز السلم ويجنب البشرية ويلات الدمار. ـ كاتب مصري