الخميس 2 رمضان 1423 هـ الموافق 7 نوفمبر 2002 انهم يطاردونني.. يتعقبوني في كل مكان.. يقفزون أمامي كالأشباح، اغمض عيني فتخترق اصواتهم المبحوحة اذني، أخفي وجهي في صحيفة فيبرزون لي من بين السطور مخرجين ألسنتهم لي، أهرب الى التلفزيون فتطل علي من شاشته وجوههم المكفهرة المتعالية، لا مفر ولا مهرب.. لا ملجأ ولا مخبأ، ليس أمامي اذن الا الاستسلام والركوع.. ولكني أبدا.. أبدا لن استسلم.. وأبدا أبدا لن اسلم.. وأبداً أبداً لن ألقي السلاح عند مواجهتهم..! انهم مخلوقات غريبة.. كأنهم هبطوا من عالم آخر، اشكالهم وسحناتهم لا تختلف في شيء عن اشكال وسحنات البشر العاديين، ولكنهم ما ان يبدأ النطق والكلام حتى تفاجأ بهم يتكلمون لغة غريبة تماما عن لغتنا.. فلا تفهم ما يقولون.. ولا تدري شيئا عما يقصدون، الغريب انهم يفهمون كلامنا ويدركون مفردات لغتنا، ولكنهم أبدا لا يحاولون التفاهم معنا الا بلغتهم الخاصة، ربما تعصبا منهم لها.. وربما عجزا منهم عن التعامل مع كلماتنا وحروفنا، كل المحاولات التي بذلت لنقلهم من عالمهم العجيب المنغلق الى عالمنا الرحب المنفتح فشلت، بل زادت من ترفعهم وتعاليهم وازدرائهم لكل ما تمثله لغتنا من تخلف وجهل وضحالة! ــ تقابل الواحد منهم صباحا وتقول له: «صباح الخير»، فينظر اليك نظرة مسطحة.. ويرد عليك بترفع: «صباح الفسيفساء المكتئب»، وقد تصادفه مساء فتحييه قائلا: «مساء الخير»، ومن خلف نظارته التي غالبا ما تكون قاتمة: «مساء الزعانف المشرئبة»،.. تحاول ان تخترق جدار صمت أحدهم بجره الى الحديث قائلا له: «الجو بديع هذا المساء».. بعد حملقة متأنية في اللا شيء يرد: «نعم.. تدحرجت الاقاحي فتساقطت اعناق السحب الحزينة.. هذا رائع»، تحاول تغيير الحديث الى الوضع السياسي بقولك: «ما هو رأيك في الوضع العربي الراهن؟»، يرد بحماس لا ارادي: «اولاد الافاعي تشرذموا في رحيق برتقالة نصف مجنزرة»، تغير مجرى الحديث لأنك لم تفهم شيئا، فتفتح الحوار عن عالم الادب والثقافة وهي ميدانه وساحته، فتقول متصنعا الجدية: «هل ترى جديدا في الحركة الادبية والثقافية المعاصرة».. بعد اطراقة طويلة يرد عليك في أسى: «انه زمان الحزن المثلج.. صهيل الجرذان فيه اصطدم بتراتيل الخفافيش المهمشة.. ليس أمام الأديب منا سوى النكوص المباغت قبل ان تسحقه ضفادع الغسق الأجرب»..! مرة اخرى اجد نفسي مضطرا ومدفوعا بقوى استفهامية حائرة محاولا قدر الامكان فك طلاسم الحوار مع هذه الكائنات الضبابية العجيبة التي تفرض نفسها و(اعمالها) على صفحات الادب والثقافة في صحافتنا الموقرة، بعض هذه الاعمال يقول للقاريء بصراحة تامة «أنت حمار اذا لم تفهمني.. وأنت حمار ايضا اذا حاولت ان تكون ذكيا وتقول انك فهمتني»!، وبعضها الآخر يكتفي باخراج لسانه بين كل سطر وآخر لكل قاريء عربي يحاول (جاهدا) ادراك او فهم ما ينشر مذيلا بأسمائهم الكريمة او مزيناً بصورهم (الفسيفسائية) او (اللازوردية).. كما يقولون!! ــ تصورت «قيس».. يجلس الى «ليلى» يناجيها بقصيدة خنفشارية من هذا النوع، منشدا لها ودموعه تنهمر على خديه..: صديد حبك يا ليلى.. فقاعة ظلمة بللورية.. العالم مخروم.. مخروم.. رقائق الهواء تجلجل يا ليلى ربما.. ولأنما.. اللقاء مغموس بعواء الطحين.. ذبابة في عينيه.. وصهيل كبدي الخجول.. يا أنت.. يا كلما.. يا حيثما.. قيس أنا.. ليلاي أنت.. شراعان في كأس دم.. مصلوب.. مطلوب.. مزنوق مزنوق.. بلا فيزة.. ولا ركلة جزاء.. يا حذاء.. يا دعاء.. يا هراء الهراء.. واء واء ثم واء.. يا ليلاي.. يا دنياي.. هاي.... هاي... هاي..! وتصورت «ليلى» وقد فجعت ايما فجيعة في قيس بعد سماعها لهذا الشعر الحداثي الخنفشاري العولمي في وقت لم تكن فيه العولمة قد خطرت على بال احد، وتصورت انها فهمت ما قاله على انه هجاء فيها بعد رحلة غزل طويلة له معها..، ثم تصورتها اخيرا وقد استلت سكينا من بين طيات ملابسها وانهالت بها طعنا على المحب الغادر ليصبح اسمه بعد دقائق «مذبوح ليلى».. بدلا من «مجنون ليلى»..! ولله في مخلوقاته من الشعراء المحدثين شئون..!