الخميس 2 رمضان 1423 هـ الموافق 7 نوفمبر 2002 كثيراً ما تطل علينا من طيات الكتاب والقراءات نماذج ابداعية تعاني الفقر وقلة الحيلة تجاه الحياة.. وهي حالات فريدة وطريفة في تعاملها مع الفقر، ويبدو انه لولا الجوائز الادبية الكبرى لافترش بعض المبدعين المقابر مقراً لهم، والتصقت بطونهم بظهورهم. بالطبع يوجد قلة قليلة ولدوا وفي فمهم ملعقة من الذهب نذكر منهم تولستوي الذي تبرع بممتلكاته للفقراء والكادحين، وايضاً امير الشعراء احمد شوقي الذي سمي بالشاعر الذهبي لعيشته المترفة.. لكن في المقابل توجد كثرة كاثرة تعيش على الفتات وتتجرع المرارة في قلب العوز. وهناك نماذج ابداعية نجت من حرائق الفقر واملاءاته البغيضة. ففي رسالة ارسلها دوستويفسكي اعظم روائيي القرن الى اخيه يقول فيها: «سأواصل العمل بشكل جهنمي، ولكن ما عساي ان افعل مع الفقر.. تصور يا اخي ان ديوني 800 روبل منها 525 لصاحب المنزل الذي اقطنه.. ولقد كتبت الى اهلي بأنني مديون بـ 1500 روبل، لأنني اعلم انهم لن يرسلوا اكثر من ثلثها.. ولكني مازلت متفائلاً وسأواصل الكتابة.. انني لا املك «كوبيكا» لشراء الملابس، صديقي شليتساكوف دخل السجن وهو محترم.. اما انا فكيف سأبدو محترماً بدون بنطال». مرارة ديستويفسكي تشير بشكل ساخر الى مجتمعه الذي يمارس العبث والفوضى في حق ادبائه ومبدعيه، وهو ليس بالامر الغريب على السلطة القيصرية في روسيا.. لكن الغريب ان ديستويفسكي في رسالة اخرى لشقيقه يبثه اوجاعه عن المعاملة الفظة من اصحاب دور النشر مع نتاجاته العظيمة، لذلك تبدو مقولة ان الناس على دين ملوكهم صحيحة. هذا هو الجانب المأساوي في حياة فقراء المبدعين. اما الجانب الكوميدي والذي يصل الى درجة الملهاة والمأساة في وقت واحد فهو ما حدث لاحد ابناء عائلة «تيمور» في مصر.. حيث كان يمتلك محل جزارة وكان ميسور الحال.. ولما كان احد زوار صالون عباس محمود العقاد الذي استشعر موهبته الادبية بمرور الوقت، طلب منه العقاد ان يغلق محل الجزارة، ليتفرغ للأدب مع وعد بنشر كل نتاجاته القصصية، وفي احدى الجلسات وبعد مرور السنين، وعلو شأن الشاب التيموري.. سأله العقاد: كيف حالك الان، وقد اصبحت من الاسماء المعروفة في عالم الكتابة؟ فرد عليه الرجل قائلاً: «لا شيء سوى انني عندما كنت جزاراً كانت الكلاب تمشي ورائي، اما الان فأنا امشي وراء الكلاب» في اشارة ذكية لسوء حاله المادي والمعيشي. هكذا فعل الابداع بأصحابه والحبل على الجرار.. والسؤال الآن هل مازال المفكر المجري نوردو يؤمن بأن رخاء العالم يكمن في قتل الفقراء لانهم اغبياء؟!.. هل مازال يتجاهل فوضى البشر وغباء اثريائهم؟ majdibo@maktoob.com