الاربعاء 1 رمضان 1423 هـ الموافق 6 نوفمبر 2002 يتكرس شهر رمضان في الذاكرة الجمعية الاسلامية باعتباره شهر القرآن والخير والانتصارات، وفي ذاكرة التاريخ العربي المعاصر فإن العاشر من رمضان لعام 1973 ليس بالتاريخ البعيد، فلازلنا نتذكر انتصارات الجيوش العربية، ومشاهد العبور وتحطيم خط بارليف الاسرائيلي المنيع، وعن نفسي فمازال مشهد ذلك الجندي المصري الذي يغرس العلم المصري بعد عبور القناة وتحطيم بارليف ماثلاً في ذاكرتي حتى هذه اللحظة. هناك علاقة نفسية وثيقة في الوجدان العربي والمسلم عموماً بين رمضان وبشارات النصر اكدتها حوادث التاريخ ومعارك المسلمين، لكن هناك علاقة ايضاً بين هذا الشهر وبين الأمان الداخلي الذي يلمسه الصائم بمجرد دخول المسلمين في طقس روحاني تعبدي لا يمكن معايشته سوى في رمضان، وهي علاقة تقويها قيم واشكال العلاقات الاجتماعية الانسانية في المجتمع العربي المسلم، والتي لا يمكن ان نجد مثيلاً لها في مجتمعات الغرب القائمة على الفردية والانعزالية القاتلة. وفي هذه الايام التي نعيش ارهاصات أزماتها ومآزقها منذ اكثر من عشر سنوات، فإن رمضان يطل علينا ـ منذ سنوات ـ مسبوقاً بنذر الحرب والاعتداءات الاميركية على ذلك البلد العربي المسلم او ذاك، واحيانا ـ وهذا قد حدث أكثر من مرة ـ تحدث الاعتداءات ويتم ضرب الابرياء خلال الشهر وهم صائمون أو قائمون في مساجدهم لله رب العالمين، ومع ذلك فلازال الغرب الاميركي يصر على انه يحترم حقوق الانسان، وبأن بلدان العالم العربي لا تحترم الحرية الدينية للناس، ولا تبيح لهم حق المعتقد ولا ندري كيف يمكن فهم حرية الناس وحقوقهم في ظل مفاهيم مقلوبة كالتي فرضتها علينا فلسفة القوة وغطرسة الحرب والافتتان بمبدأ الغاء الآخر. لانه يختلف ولان له معتقداً آخر يشكل خطراً دائماً على حضارة الغرب وفق تخيلات المفتونين بتفوقهم العسكري إلى درجة الجنون! حقيقة الامر ان الصيام مساحة رحبة للتأمل في أحوالنا، فقضايانا في رمضان ليست موائد واطعمة ومقاهي وشيشة ومسلسلات تاريخية تعزف على وتر الامجاد الضائعة، حقيقة الامر ان رمضان باعث قوي لطرح اسئلة المصير اذا ما احسن استغلال أيامه ولياليه، سواء في المنتديات الثقافية، او صفحات الجرائد، او قنوات الفضائيات، فنحن بحاجة إلى مراجعة واقع ومراجعة أحوال، ومراجعة نفس، وهذه مشمول فيها انسان الشارع العادي بكل مستوياته، ومن يسمون بالنخب الثقافية والسياسية، وأصحاب السلطة والقرار السياسي. طبعاً القضية ليست محصورة في رمضان، فنحن بحاجة إلى هذه المراجعة منذ زمان طويل، لكننا على شفا هاوية لا نعلم نهايتها بينما رمضان يطرق أبواب القلوب والنفوس والارواح، لذلك فإن المراجعة صارت حتمية، فنحن بالتأكيد لا نعلم اي مصير تزجنا فيه غطرسة القوة الاميركية. رمضان في الذاكرة كان مساحة للانتصارات والعزة والكرامة، صار هذه الايام مسافة فاصلة بين واقع مزرٍ وانتظار مصير لا يعلمه الا الله. فيا رمضان يا شهر الصيام والقرآن والبركة بأية حال عدت، وكيف وجدتنا؟!