الاربعاء 1 رمضان 1423 هـ الموافق 6 نوفمبر 2002 نثر رمضان مهوى القلوب والأرواح أيها المقبل علينا اقبال النسائم في الهجير، ياسلام الأيام، وعطر الليالي يا واحة الشهور وطهور الاعمار، من عرفك عرف انك ارتحال إلى زمانٍ غير الزمان ومكان غير المكان، ارتحال إلى الزمان الذي لا يساويه زمان، إلى زمان فيه لكل دقيقة ثمن هو أغلى وأعلى من ثمن كل دقيقة فيما سواه، لو استغله الخلق لفازوا فيه بالجائزة، ولكن أين نحن من الجائزة؟ إنها النجاة التي هي وعد الموعودين إذا جعلوا من أيامك ولياليك يا رمضان انهاراً يغتسلون فيها من كل ما غشي النفوس وكدر القلوب من آثام وأدران جعلت من القلوب صخوراً سوداء لا تلين، فإذا جاء رمضان واغتسل المغتسلون في أنهار رمضان ذهب السواد وعادت القلوب ناصعة البياض، ولكن هل الكل مغتسل في أنهار رمضان أم إنه الحرمان من الطعام والشراب والملذات؟ وحسب رمضان شهر لا صيام فيه الا لمن وقف مع نفسه وقفة كوقفة الغافل الذي صحا فأدرك أنه على حافة جبل شاهق، لو لم ينتبه كاد أن يهوى منه إلى وديان الغفلة السحيقة. رمضان شهر ليس فيه نصيب لمن أظمأ نهاره وايقظ ليله ساهراً على قارعة الطرقات ينفخ دخان الغفلة الاسود من «أراجيل» القطران في مياه الزجاجات المعكرة. لأولئك رمضان ليس لاولئك الساهرين حتى الصباح يأكلون ويشربون ويطربون غافلون، غافلون قبل رمضان وفي رمضان وبعد رمضان. بل هو لكل منتبه واعٍ مغتنم لهذا الموسم الرحماني الذي يرجو أن يكون أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار. شعر لرمضان يا أنتَ يا ميعادَ قلبٍ في مدى الأيامِ حائر ياروضة الروح التي تسمو إلى أفْقِ البصائرْ يا نبع ظمآنٍ يلوحُ على مشارف قَفْرَةٍ تهفو إليهِ الروحُ والقلبُ المُعَنّى والمهاجِرْ يا مَوْرِدَ الشاكي المُلَوعِ في صباباتِ المُنى يا وِرْدَ باكٍ في هزيع الليل في وجَعٍ مسافِرْ يا ريحَ روحٍ في ليالي الوجدِ أسْهَرَها النّدى وسرى بها الوعدُ المعَطرُ في النسيِم يمر عاطرْ يا ليلَ منتبهِ الفؤادِ تذوبُ في خَفَقاتِهِ الآهاتُ والصلواتُ والذّكْرُ الحكيمُ بقلبِ شاعِرْ يا كَفّ مُغْتَرِفٍ يَمُر على الجداولِ يستقي من كُل صافيةٍ جَرَت من ثغرِ ماطِرةٍ وماطِرْ يا أنتَ يا وجدَ المسافِر للبعيدِ وللسُرى في ناظِرَيهِ علامَة تحتَ العيون لها سرائرْ يا أنتَ يا وعدَ الكريمِ وموعد الصبح الذي لولاهُ ما آبَتْ قلوبُ الحائرينَ إلى الحظائرْ يا أنت يا أنشودَة الراعي يلوذُ بأيكَةٍ فيها تسابيحُ الحياة تذوبُ في تغريدِ طائرْ يا أنتَ يا وجهَ الليالي البِيض يسكنها الرضا تسري بها النسَماتُ والعَبَراتُ والفَرح المُغايِرْ يا أنت يا ليلَ النجوم الساهراتِ بَريقُها يهبُ العيونَ بهاءَها والحسنُ مسحور وساحِرْ يا أنت يا ترتيلَ قلبٍ مُدْنَفٍ متوَضيءٍ مِعراجُهُ الآيات والصلواتُ في العَشْرِ الأواخِرْ