الاربعاء 1 رمضان 1423 هـ الموافق 6 نوفمبر 2002 خروج حزب «العمل» من حكومة ارييل شارون خبر صحافي، على طريقة ان انسانا ـ أو حزبا بكامله في هذه الحالة ـ عض كلبا، وليس العكس الذي لا يشكل خبرا البتة، كما تقول قواعد المهنة. لكن الترجمة السياسية لهذا الخبر تساوي صفرا من أي زاوية فلسطينية، أو عربية عامة، نظر اليه والى ترجمته. ذلك ان الكثرة الساحقة من المعلقين الاسرائيليين تربط انسحاب ممثلي العمل من الحكومة بانتخابات الحزب المقبلة ورغبة رئيسه الحالي، وزير الحربية المستقيل بنيامين بن اليعازر، بالتجديد له على رأس الهيئة القيادية للحزب، وتاليا بخوض معركة رئاسة الوزراء في الانتخابات المقبلة، سواء جرت مبكرة قبل موعدها كما ينتظر أو جرت في وقتها الدستوري بعد حوالي عام من الآن. فقد غطى الحزب شارون، بل وزايد عليه في بعض الأحيان، في حرب الابادة التي شنها ولا يزال على الشعب الفلسطيني، وفي موقفه من اتفاقات أوسلو التي أعلن أخيرا أنها لم تمت فقط وانما دفنت أيضا. كما غطى قراره اعادة احتلال المناطق الفلسطينية وتفكيك السلطة فيها، ورفضه لمشروع السلام العربي الذي أقرته قمة بيروت في مارس الماضي، وتعزيزه للمستوطنات في الأراضي المحتلة، فضلا عن استراتيجيته القائمة على قلب المعادلة التي قام عليها مؤتمر مدريد وجعلها «الأمن في مقابل الأمن» بدلا «من الأرض في مقابل السلام». بل ان اختيار الحزب قضية الموازنة العامة لمعارضتها ثم للانسحاب من الحكومة على خلفيتها، خلافا لوجهة نظر شارون وتكتله الليكود والأحزاب الدينية المتطرفة، انما أراد من خلاله ابلاغ قاعدته الحزبية ـ ومن خلالها الاسرائيليين عموما، والفلسطينيين ايضا ـ بأن خلافه مع شارون يدور حول مواضيع المال والانفاق العام للدولة وليس حول أية مواضيع أخرى، بما فيها اساسا موضوع التسوية والموقف من قضية الشعب الفلسطيني. ومع أن نقطة الخلاف تتعلق بتخصيص 145 مليون دولار في الموازنة لتحسين أوضاع المستوطنين، بينما يريد حزب «العمل» ان تنفق على الفقراء في البلاد عامة، فقد حرص بن اليعازر على ايضاح ان موقفه ليس موجها ضد المستوطنين، ولا ضد دعمهم وتحسين اوضاعهم، وانما هو يهدف الى معالجة مشكلة أكبر هي مشكلة الفقر والفقراء. الذيل الساقط في هذا المجال، ومع أن شارون يفخر بأنه أبو المستوطنات، فلم ينس أحد ـ من الفلسطينيين خاصة ـ أن حركة الاستيطان هي اختراع حزب «العمل» في الأصل، بل هي ايديولوجيته لتوسيع رقعة «أرض صهيون» على طريق اغتصابها نهائيا منذ الأيام الأولى التي تلت عدوان العام 1967 واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلا عن سيناء والجولان. في ضوء ذلك، يبدو واضحا ان خروج حزب «العمل» من الحكومة ليس خبرا من دون معنى فقط، بل ان الحزب في حد ذاته لم يعد خبرا في الحياة السياسية الاسرائيلية بعد أن حول نفسه في خلال الشهور التسعة عشر الماضية الى مجرد ذيل «وفق تعبير أحد المعلقين الاسرائيليين» لشارون ولمجموعة الأحزاب اليمينية والدينية المتطرفة.حتى ان خروجه الآن لم يعد يعني شارون نفسه بشيء، بعد أن وفرت له الادارة الأميركية ورئيسها جورج دبليو بوش شخصيا ما أراده تغطية دولية كان يوفرها له حزب «العمل» نتيجة لسمعته في العالم الخارجي وصلته ببعض دوله. فصحيفة «هآرتس» تعتبر ان قيادة حزب «العمل» لم تفعل في الشهور الماضية الا أنها دمجت تقريبا حزبها بتكتل ليكود. كما ترى صحيفة «الجيروزاليم بوست» أن السؤال التقليدي الذي يطرح في اسرائيل لدى سقوط أية حكومة، وهو أية مشكلة دبلوماسية سيؤدي اليها هذا السقوط؟، ليس مطروحا هذه المرة. أما السبب فبسيط جدا، ومؤداه أنه لا قضية دبلوماسية في الأفق حاليا ان على مستوى التسوية الجدية في المنطقة أو على مستوى علاقات اسرائيل مع المجتمع الدولي.وحتى خريطة الطريق التي حملها أخيرا مساعد وزير الخارجية الأميركي وليم بيرنز، تقول الصحيفة، لا تعدو كونها محاولة من واشنطن لشغل الوقت وادعاء أنها برغم العراق لم تتخل بعد عن التفكير بقضية المنطقة. ولكن هل يقف الأمر عند هذا الحد؟ سواء اضطر شارون الى توسيع حكومته، بضم عناصر من حزبه ومن الأحزاب اليمينية والدينية الأخرى اليها للبقاء، أو الى مواصلة الحكم بأقليته الحالية في الكنيست بانتظار هزة أخرى تطيح بها، أو الى وضع استقالته بتصرف رئيس دولته وتاليا لتقديم موعد الانتخابات العامة، فسيكون على العالم ـ وعلى العرب والفلسطينيين خاصة ـ توقع الا تكون المواجهة الاسرائيلية ـ الفلسطينية المقبلة مختلفة في شيء عن المواجهة بالحديد والنار التي سادت طوال العامين الماضيين. المعجزة المستحيلة جريمة شارون معروفة، وهو شخصيا لا ينكرها بل يفتخر بها، وأساسها ضرب الشعب الفلسطيني على طريق دفعه الى الاستسلام الكامل او الهجرة النهائية من أرضه «نظرية الترانسفير» اضافة الى انهاء الكابوس الذي رفضه منذ البداية : اتفاقات أوسلو.أما جريمة بن اليعازر، وقبله ثم معه لاحقا وزير الخارجية شيمون بيريز، فهي اشاعة ـ ثم ترسيخ ـ المقولة التي كان يشك فيها بعض الرأي العام الاسرائيلي «حركة السلام الآن على سبيل المثال» بأن لا حل مع الفلسطينيين ومع العرب سوى الحل العسكري. من هنا تبدو نتائج أية انتخابات مقبلة، مبكرة أو في موعدها، في مصلحة تكتل ليكود بقيادة شارون أو بقيادة منافسه الأكثر تطرفا بنيامين نتانياهو، فضلا طبعا عن الأحزاب الصغيرة، الدينية واليمينية المتطرفة، الأخرى.ولأن حزب «العمل» قد خصم نفسه من الحياة السياسية طيلة الفترة الماضية، وتحول الى تابع لحركة شارون وسياساته المحلية والأقليمية، فأغلب الظن أن تتقلص حصته في الكنيست ما لم تحدث ما يصفها بعض المعلقين بالمعجزة غير المتوقعة في كل حال. وصحيح ان بعض الاسرائيليين يطرحون في وجه شارون سؤالهم الكبير: أين الأمن الذي وعدتنا به؟!، الا ان سؤالهم لحزب «العمل» ولقيادته يصبح مزدوجا في هذه الحالة: .. وأين السلام الذي وعدتنا به؟! أكثر من ذلك، فاذا كانت الحياة السياسية في اسرائيل، كما يتفق الجميع فيها على القول، هي انعكاس مباشر لطبيعة العلاقات التي تقوم في كل مرحلة بينها وبين الادارة الأميركية، فبامكان شارون ـ أساسا لوجود بوش الابن في البيت الأبيض الآن ـ أن يدعي صادقا ان العلاقة الحميمية القائمة حاليا بين واشنطن وتل أبيب لم يقم مثيل لها في أي يوم مضى بين العاصمتين. موقف عرفات غداة انهيار حكومة بنيامين نتانياهو في العام 1996، لم يتورع رئيس السلطة الفلسطينية ياسرعرفات الذي وصف نفسه على الدوام بأنه صديق اسحق رابين، عن مناشدة العرب في اسرائيل والرأي العام اليهودي فيها التصويت لمرشحي حزب «العمل» باعتباره شريك عرفات والفلسطينيين في سلام الشجعان. لن يجرؤ عرفات على تكرار مناشدته هذه المرة. ولو فرض أنه تجرأ على ذلك، فلن يستمع اليه لا العرب في اسرائيل ولا الرأي العام اليهودي فيها. .. وأصدقاء هذا الحزب من بين العرب، سياسيين واعلاميين ونخبا فكرية وثقافية ورجال أعمال دغدغت احلامهم في يوم نظرية الشرق الأوسط الجديد التي طلع بها شيمون بيريز وكتب فيها كتابا وجد له متعاطفين في بعض انحاء العالم العربي، لن تكون مواقفهم أفضل من موقف عرفات. ـ كاتب لبناني