الاربعاء 1 رمضان 1423 هـ الموافق 6 نوفمبر 2002 لامس انسحاب حزب العمل من الحكومة الإسرائيلية قضيتين على غاية في الأهمية بالنسبة للإسرائيليين، أولاهما تتعلق بالموضوع السياسي وعملية التسوية وتركزت حول مسألة النشاط الاستيطاني، وثانيتهما تتعلق بالقضية الاجتماعية الاقتصادية كما تمثلت بالموقف من مشروع موازنة العام 2003. ففي قضية الاستيطان، مثلا، يحاول حزب العمل استثمار تبرّم المجتمع الإسرائيلي من النشاط الاستيطاني المنفلت من عقاله، والذي بات يثقل كاهل الإسرائيليين من النواحي الاقتصادية والأمنية والسياسية والأخلاقية، ويشوه صورة دولتهم التي تدعي أنها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط ويظهرها بصورة دولة استعمارية تسيطر على شعب أخر بوسائل القوة والإكراه. وفي الحقيقة فثمة شبه إجماع في حزب العمل على ضرورة تجميد الاستيطان وفكفكة المستوطنات المنعزلة، في الأرض المحتلة، والاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبيرة المحاذية للخط الأخضر والمتاخمة للقدس قي إطار حل شامل مع الفلسطينيين. وثمة قياديون بارزون في حزب العمل باتوا يدعون صراحة إلى ضرورة التخلص من عبء المستوطنات والاتجاه نحو «الفصل» مع الفلسطينيين ولو من طرف واحد. وكما هو معروف فإن الخلفية الأيديولوجية لسياسة حزب العمل تتركز على وحدانية الشعب اليهودي، بإقامة دولة يهودية نقية، ما أمكن، في مقابل تركيز الليكود على «أرض إسرائيل الواحدة»، وهذا ما يفسر، بين أسباب أخرى، موقف حزب العمل تجاه الانسحاب من الأراضي المحتلة، بما في ذلك تفكيك المستوطنات، حيث أنه بذلك يتخلص من ما يسميه سالخطر الديمغرافيس أو من خطر قيام سدولة ثنائية القومية، ويحافظ على الهوية اليهودية للدولة العبرية وعلى نظامها سالديمقراطيس ويحسن صورتها على الصعيد الدولي. وكان بنيامين بن اليعازر، زعيم حزب العمل، ومن موقعه كوزير للدفاع في حكومة شارون دخل في مواجهة حامية مع زعماء المستوطنين حين أعطى أوامره للجيش بإخلاء نقطة جلعاد الاستيطانية، وهو ما أدى إلى حصول اشتباك بين قوة الجيش وهؤلاء المستوطنين، قبل أيام من استقالته من الحكومة. ولكن ما ينبغي الانتباه إليه جيدا هنا هو أن ملامسة حزب العمل لموضوع الاستيطان تضمن أيضا رسالة مفادها أن هذا الحزب يحاول إعادة اعتباره على الصعيدين الدولي والإقليمي بوصفه حزبا يسعى للسلام، وأنه بصدد مراجعة مواقفه التي تورط بها خلال مشاركته بحكومة «الوحدة الوطنية» مع الليكود. وربما أن هذا ما يفسر مخاطبة بن اليعازر لأركان وزارته، لدى وداعه إياهم في مبنى وزارة الدفاع، بأنه حان الوقت للبحث عن طرق أخرى للسلام بعد أن استنفدت إسرائيل كل الوسائل في مواجهتها للشعب الفلسطيني. ولعل حزب العمل أيضا التقط المغزى الكامن في تمسك الإدارة الأميركية بموقفها بشأن ضرورة تجميد النشاط الاستيطاني كليا في الأراضي المحتلة وهو ما تمثل برفضها الأخذ بالملاحظات الإسرائيلية، على خارطة الطرق التي وضعتها للتسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، في تأكيد جديد على موقفها الحاسم بشأن النشاط الاستيطاني. أما بالنسبة للموضوع الاقتصادي فقد حاول حزب العمل استعادة هويته كحزب يتبنى القضية الاجتماعية ويدافع عن الشرائح الفقيرة في المجتمع، خصوصا وأن إسرائيل تمر في مرحلة تراجع اقتصادي لم تشهد مثيلها منذ العام 1953، بعد أن تدنت نسبة النمو إلى ناقص نصف بالمئة، وبعد أن بات أكثر من ربع مليون على قوائم البطالة وبعد أن تعطلت بعض قطاعاتها الاقتصادية خصوصا قطاعي السياحة والبناء، وبعد أن تدنت الاستثمارات الخارجية فيها بدرجة كبيرة وهي أوضاع ناجمة، إلى حد كبير، عن ضعف الاستقرار الأمني وفعاليات الانتفاضة، بحيث بلغت خسائر إسرائيل الاقتصادية ما يعادل 11 مليار من الدولارات. وقد أدى كل ذلك إلى تدني مستوى المعيشة لدى الإسرائيليين، وتفاقم عجز الحكومة وهو ما حاولت التغلب عليه من خلال إجراء تقليصات في الموازنة من حصة التقديمات الاجتماعية (المتعلقة بالخدمات الصحية والتعليمية وصناديق التقاعد) والتي تستفيد منها الشرائح الفقيرة في المجتمع، وهو ما رفضه حزب العمل. ويمكن القول إن حزب العمل من خلال الموضوع الاقتصادي، ربما، يوجه رسالة سياسية للإسرائيليين مفادها أنه ينبغي الخروج من المواجهة مع الفلسطينيين والسير مجددا في طريق التسوية لأن هذا الطريق هو الذي أتاح لإسرائيل خلال السنوات الماضية أعلى معدلات نمو وأدى إلى تدفق الاستثمارات الخارجية إليها بمعدلات كبيرة، بالقياس للأوضاع الحالية التي أدى تدهور الاقتصاد فيها إلى استجداء الولايات المتحدة الأميركية للتدخل ومساعدة إسرائيل بما في ذلك تسهيل ضمانات قروض لها بمقدار عشرة مليارات من الدولارات. على أية حال فإن حزب العمل بخروجه من الحكومة يحاول تدارك التدهور في مكانته في المجتمع الإسرائيلي، التي تآكلت لصالح حزب الليكود، كما يحاول إعادة لملمة صفوفه التي باتت متمزقة بسبب من الخلافات السياسية والشخصية بين قياداته وبسبب التنافس على زعامة هذا الحزب بين كل من بن اليعازر (الزعيم الحالي) وحاييم رامون من جهة وعميرام متسناع من الجهة الأخرى. وعلى أغلب التقديرات فإن حزب العمل استطاع الخروج من الحكومة في الوقت المناسب برغم الاضطراب الذي يبديه في موقفه وذلك وفقا لاعتبارات مهمة منها: أولا، أنه استطاع الخروج من الحكومة الشارونية بحجة موقفه من الاستيطان وبحجة الدفاع عن الطبقات الفقيرة، وبذلك فقد جنّب نفسه الخروج على خلفية سياسية وهو بذلك نجح في تفويت الفرصة على شارون الذي كان يحاول جره إلى ذلك لإحراجه في المجتمع الإسرائيلي الذي يبدي انزياحا نحو التطرف في ظل المواجهات الدائرة مع الفلسطينيين. ثانيا،أن حركة حزب العمل، المتمثلة بالخروج من الحكومة، ليست غريبة على المعادلات السياسية الإسرائيلية التي تتحكم فيها الاعتبارات الشخصية والانتهازية، فهو خرج من الحكومة قبل أن يخرجه أو يحرجه شارون، وهو خرج قبل انتخابات حزب الليكود التي ترجح استطلاعات الرأي، المتعقلة بها، فوز بنيامين نتنياهو على شارون. ومعنى ذلك أن حزب العمل حاول أن ينقذ نفسه من سفينة شارون التي بدأ يدب فيها العطب. ثالثا، إن حزب العمل، في الواقع، هو أكثر الأحزاب الإسرائيلية قربا من السياسة الأميركية، وثمة توجه يبدو، حتى الآن، جديا لدى البيت الأبيض الأميركي بشأن تطبيق خطة خارطة الطرق الأميركية التي تستند إلى خطاب بوش (24/6) والمتضمنة تهدئة الوضع مع الفلسطينيين والعودة إلى مسار التسوية وتجميد الاستيطان وإقامة دولة فلسطينية في العام 2005 وهي مسارات لا تبدو حكومة شارونية أو يمينية قادرة على التعامل معها وهو ما يفترض دورا أخر مغايرا على حزب العمل أن يضطلع به، غير الإمعان في التحول إلى ليكود 2. على أية حال تلك هي الاعتبارات التي عجلت خروج حزب العمل من الحكومة في محاولة منه لاستعادة مكانته في القرار أو لبلورة طريق بديل أمام الإسرائيليين في منطقة مقبلة على تغييرات كبيرة. ـ كاتب فلسطيني