الاربعاء 1 رمضان 1423 هـ الموافق 6 نوفمبر 2002 روى لي أكثر من شخص في الستينيات قصة عن موقف المرجعية الشيعية في النجف من الغزو البريطاني للعراق في الحرب العالمية الأولى. فقد جاء بعض أفراد العشائر من الجنوب الذين عانوا من ظلم الدولة العثمانية يطلبون الرأي في مساعدة الإنجليز في حربهم ضد العثمانيين، وبخاصة أن أتباع المذهب الجعفري قد مسهم الضير من ولاة الدولة الحنفية المذهب. وعلى ما يبدو أن البعض كان مدفوعا ببواعث الانتقام ممن ظلموهم، فأرادوا فتوى تبيح لهم ما كانوا فيه راغبين. لكن المرجعية كانت مدركة لمسئولياتها وواعية على مبادئها، فأخضعت الأهواء لحكم المبادئ، وتعالت على الجروح المفتوحة من سيوف الأخوة في الدين، ولم تدعها تذهب في طلبها للعدل مذهب الشطط. وأجمل ما في الإجابة الرافضة لعون الإنجليز تخريجها المبدئي. فقد قالت المرجعية أنه صحيح أن الدولة العثمانية كانت ظالمة، لكنها إسلامية، أما الجحافل القادمة لغزو العراق فتمثل لواء الكفر الذي يحرم أن نقاتل تحت لوائه. والعبرة من هذه الحادثة أن المرجعية الشيعية كان لديها ميزان مبدئي تقيس عليه الأمور، لا تعطل عمله لهوى، ولا تحيد عنه لمصالح آنية. والمرجعية في شموخها الفكري إنما كانت تهتدي بمبدأ أساس في عقيدتها، أبرز خريطة تضاريسه تضامن المسلمين في العهد المكي مع الدولة الرومانية النصرانية في حربها ضد الدولة الفارسية المجوسية. ولئن قاتل الشيعة في العراق ضد الإنجليز، فلقد قاتل إخوان لهم في الدين تحت لواء الإنجليز طمعا في وعود الحلفاء. فكان أن حادوا أولا عن ميزان المبادئ، وكان أن خسر العرب أكثر مما ربحوا. إذ لم تكن مواثيق الحلفاء إلا أسوأ من مواعيد عرقوب، وبات العرب مزقا ومستعمرين مازالوا يصارعون نتائج تلك المقامرة السياسية. وإذا كانت هذه المقامرة أبرز مثيلاتها، لكن العرب ظلوا يضعون ميزان الأولويات خلف ظهورهم، وكان آخرها في العراق انتفاضة عام 1991 التي كان الغرب، وبالذات، اميركا شريكا في وأدها حينما رأوا أنها قد تكون خطرا على مصالحهم. كما أن تجارب الأكراد مع مواعيد الاميركان والبريطانيين شاخصة، يعصرونهم كالليمون ثم يطيحون بهم بعيدا، ثم يعيدون الكرة معهم. فتجربتنا الحديثة لا تظهر أننا ننحاز عن سلم أولوياتنا المبدئية، بل نجهل ميزان المصالح. ميزان مختل ولو تمعنا في واقع المعارضة العراقية لوجدنا أمرين متناقضين من حيث الإرادة. الأمر الأول، أن المعارضة العراقية الواسعة للنظام في العراق التي وجدت طريقها إلى الخارج لم يكن ذلك بإرادتها، فاستبداد النظام وفقدان الحريات أجبرها على الهرب. وقد يحاجج البعض أن وتيرة مغادرة العراق المتسارعة أملتها ظروف الحصار، غير أن هذا لا يغير من حقيقة واقع الاستبداد وكون أن لا خيار للناس إلا أن تعارض بقوة ما تراه عدوانا على حقوقها. الأمر الثاني، أن طريقة المعارضة وأشكالها وأنواع التحالفات هي مسألة من اختيار المعارضة نفسها. فالأمر الذي ينبغي التأكيد عليه هو أن المناقشة لا تتناول حق المعارضة العراقية في معارضتها للنظام بل هو مما يفرح لأنه دليل حيوية الأمة. غير أن موضع النقد ينصب على كيفية إدارتها لمعارضتها. ولعل مما يثير النقد الشديد أن الكثير من المعارضة العراقية المنظمة ألقت وراء ظهرها ميزان المبادئ، وتغافلت عما يؤسس مصالح البلدان. ويبدو أن شعورها بالعجز عن تحقيق التغيير في العراق بنفسها جعلها تتهافت على ما يغويها من وعود تقدم إليها ويغريها من أموال تنفق عليها. ولكنها في تصرفها تبدو أنها تجهل أن أحد أسباب عجزها هو من تسعى إلى طلب مساعدتهم. فقبل غزو الكويت كان الغرب الذي يريد أن يسقط النظام الآن يدعمه، وحتى خلال الانتفاضة العراقية كان الغرب سببا رئيسيا في إفشالها. بل ان سنوات الحصار أضعفت المعارضة لأنها أضعفت الشعب العراقي الذي أصبح مهموما بمجرد البقاء على قيد الحياة. فقد أكلت الأرضة أكثر من مرة قرارات الأمم المتحدة ولم يجد في إخوانه العرب من يجرؤ على تمزيقها. فكيف يمكن للمعارضة التي بعض ضعفها يعود إلى السياسة الاميركية أن تجد العون فيها؟ ثم إن الشعب العراقي على ما يقاسي من فقدان الحريات لا يجد في كثير من المعارضة المنظمة إلا أفرادا قد أرهقوه حينما كانوا في صفوف النظام، ثم متنطعين لتحريره من منابر البنتاغون الاميركي أو الخارجية الاميركية. ثم يعجب الكثير من المعارضة العراقية أن جماهير العرب تعارضهم، فيرمون الناس بتهمة التحيز للنظام في العراق، ولا يرون في رأي الجماهير العربية اعتراضا على تحيزهم للاميركان. فهل يحتاج من اختار من المعارضة العراقية الانحياز إلى الولايات المتحدة بيانا بما تفعله اميركا بالعرب؟ ثم إنه باستثناء الحزبين الكرديين والمجلس الأعلى الإسلامي، فإن ما تبقى من المعارضة لا يشكل إلا شللا تبحث عن دور. وحينما يتمعن المرء في تصريحات المسئولين الاميركيين فهم لا يرونهم أكثر من ذلك. وما تراه المؤسسات الاميركية من دور لهؤلاء لا يعدو تحويلهم إلى جواسيس لكن دون تسميتهم بذلك. فهم يريدون منهم تزويدهم بالمعلومات عن القدرات العراقية العسكرية والاقتصادية، والقيام ببعض الأعمال التخريبية. فبماذا يمكن تسمية من يقوم بهذه الأعمال؟ وفي العراق يسمي الإنسان العادي الأشياء بمسمياتها الحقيقية، فضابط الإيقاع لديه ليس إلا طبالا. بل ان المؤسسات الاميركية تختلف حول مصداقية هذه المنظمات. فالبنتاغون، وبالذات اليهودي الصهيوني ريتشارد بيرل مستشار رامسفيلد، يرى الاعتماد على المؤتمر العراقي الوطني الذي يرأسه الجلبي، بينما المخابرات المركزية والخارجية الاميركية لا ترى ذلك لأنه ليس أهلا للثقة بسبب استشراء الفساد فيه. فالاميركان الذين يفسدون الناس يرون الفساد في بعض المعارضة مما لا يمكن تحمله. هؤلاء هم من يريد البعض أن نستقبلهم بالورود حينما يمتطون الدبابات الاميركية. أما الحزبان الكرديان والمجلس الإسلامي، المعارضة التي لها أتباع داخل العراق بين الناس، فإنهما في وضع مختلف. فاميركا تريد خدماتهم ولكن بشروطها. فالدور الكردي محفوف بالمخاطر إن أفلت، إذ قد يدفع هذا الانفلات تركيا وربما إيران للتدخل مما قد يصعب المهمة الاميركية. أما المجلس الإسلامي فيراد تحييده لأن دوره إفساد للطبخة الاميركية. فما تريد اميركا حقيقة هو أن تتمكن شلل المعارضة التابعة لها من خلال من تتعاون معهم من الضباط داخل العراق من السيطرة على مقاليد الأمور حينما تحل الفوضى بعد الضربات الاميركية المدمرة. حينذاك يستطيعون أن يفرضوا على الحكم في العراق نسخة من قرضاي آخر. لكن الحزبين الكرديين يغازلان الحكومة الاميركية طمعا وخوفا. كما أن المجلس الإسلامي الأعلى يريد أن يبقي على علاقة مع اميركا حتى لا تفوته المكاسب. وهذا هو الخطأ القاتل في حساباته. فاميركا هي القوة العظمى التي باتت لا تفي بوعودها لدول كبرى، فما الذي سيجبرها على الوفاء بها لجماعات صغيرة؟ وبالتالي فهي أمام اختيارين. أن تمضي في خدمة اميركا، وتفاجأ حينما تمسك اميركا بقبضتها على العراق أن عليها أن تتخلى هذه الجماعات عن الكثير للاميركان. أو أن تقاوم العدوان الاميركي. ويمكن الزعم هنا أن دور هذه القوى سيكون حاسما في إفشال الحملة الاميركية إن اختارت المقاومة. وسيكون مستقبلها أفضل كثيرا لدى الشعب العراقي ولدى جماهير المنطقة. ومن المناسب لهذه القوى أن تنظر إلى ما حققه حزب الله من احترام لدى كل الطوائف اللبنانية، ليس فقط لدوره في المقاومة بل ولتغليبه الميزان المبدئي وإدراكه لسلم المصالح. وحينما نطلب من هذه القوى أن تدرك مسئوليتها وأن تتصرف على قدرها، فإنما نتعامل مع طرف من المعادلة. والمعادلة لها طرفان. والحكومة العراقية هي الطرف الثاني. وحينما يطلب من المعارضة أن تكون مسئولة فمن باب أولى أن يطلب ذلك من الحكومة العراقية. ولن يتحقق ذلك إلا بإجراءات عملية تطيح بكل مؤسسات القمع، وتفتح مجالات الحرية. وأولى الخطوات بعد إعلان العفو العام، دعوة هذه القوى لحوار وطني عاجل. وهذه المطالب بقدر ما هي ضرورية لقيمتها الذاتية، فإنها وسيلة لتمكين العراق من إجهاض العدوان. فكما أن قبول العراق لعودة المفتشين أحدث تحولا في النقاش العالمي لمصلحة العراق، فإن خطوات سياسية إصلاحية جدية وجذرية ستهزم العدوان تماما. لقد آن للجميع، معارضة وحكومة، أن تدرك أن العراق ككيان مهدد، بل أن المنطقة بكاملها معرضة للضياع. وينبغي أن تكون الأفعال بحجم التحديات. فالمعارضة يجب أن تستفيق على حقيقة أن كل شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان التي ترفعها الإدارة الاميركية قيمتها بقدر حبة الخردل لدى الولايات المتحدة عندما تتبدد سحب الدمار وتتناثر غيوم الحرب وتهيمن اميركا على منابع النفط. والنظام يجب أن يدرك أن تدمير العراق من قبل اميركا وإن قد لا يطيح به، لكنه ثمن باهظ للتفرد بالسلطة. فإذا كان إنقاذ العراق من الأذى أن يشارك كل أبنائه في حكمه فما أجمله من ثمن. ـ الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن