الاربعاء 1 رمضان 1423 هـ الموافق 6 نوفمبر 2002 اليوم ندخل مدرسة الصيام، وتبدأ حركة الحياة من حولنا في تغيير الأنماط المعيشية والسلوكية التي ألفناها طيلة شهور العام. كما تتهيأ البيئة الوظيفية لتغيير نظامها اليومي في مواعيد الذهاب والاياب متجاوبة مع رغبة الجميع في حدوث مثل هذا التغيير. ولان رمضان ليس كباقي الشهور، ولان أيامه ولياليه مختلفة عن بقية ايام العام، فحري بنا ان نجتهد في تحقيق رسالته وأهدافه، وأن نتخلص من مشاعرنا السلبية، وضعفنا عن الوفاء بمتطلبات الريادة في ميدان المنافسة في الطاعات كما أحب الله وأراد. اروع ما في رمضان انه فرصة للتدريب على ممارسة الفضائل بشتى صورها وأشكالها، فاتحا الباب على مصراعيه لكل من يرغب في تغيير سلوكه نحو الأفضل وفي تهذيب نفسه، وتخليصها من شوائبها ومن انحنائها الى الأرض الى درجة الالتصاق بها، والاستغناء بها عما سواها من البدائل، والتثاقل عن النهوض الى ما هو ابقى وأجدى. ولان الطاقة الروحية تبلغ ذروتها في رمضان فإن نسبة التجاوب مع الفرص العديدة للارتقاء بالذات، ومضاعفة الرصيد من الأعمال الصالحة التي يهيئها هذا الشهر لاهله تتصاعد طرديا مع كل يوم جديد من ايامه الثلاثين. وفي رمضان تتعافى النفس من جروحها، وتستعيد الروح عافيتها، وينهض البدن من سباته، وتكبح الجوارح عن القيام بالسوء. كما يعتدل المزاج، وتنشط الاعضاء لأداء المهمات الرمضانية من صلاة وقيام ليل، وصدقة ومشاركة في دروب الخير. ومن حسن الصحبة مع رمضان ان يفتح المسلم سجل اعماله طيلة العام ويعرضها على هذا الشهر متخذا من توجيهاته وقيمه معيارا مثاليا يجري عليه التقييم واستخلاص النتائج. وكلما توفرت الفرص للنقد الموضوعي للسلوك والافعال كلما ارتفعت نسبة التوقعات نحو مزيد من الاصلاح والالتزام بمنهج الاسلام في التصور والاعتقاد والسلوك. وكم وجد المخاصمون للحياة انفسهم وجها لوجه امام الحقيقة المجردة التي يقدمها لهم رمضان، مذكرا اياهم ان ثمة فرجاً ومخرجاً في رحاب العودة الى الله بعد ان سدت في وجوههم الدروب، وضاقت بهم السبل!! يحرضهم على الاصغاء لصوت الحكمة، ويقوي عزمهم على المواجهة مع قسوة الظروف، ويكسبهم طاقة معنوية هائلة.. تعيد اليهم توازنهم الذي فقدوه وثقتهم بأنفسهم التي تناقصت على اثر جولاتهم العديدة مع مفاجآت الزمن، وقسوة الايام!! الكل في رمضان فائز، والخاسر من لم يدرك انه ببعض خصال الخير كان سيترشح للدخول في زمرة الرابحين. ومن يرشحه رمضان للفوز فله ان يلقي بأحزانه في ذاكرة الايام، ويطير الى القمة بجناحين تسبقان الريح. عطاياه كبيرة، وآثاره كثيرة، منها انه واحة الظمآن واستراحة المتعب، ومحطة الباحث عن الوقود الايماني، ونقطة التحول الى غد أفضل. وهو فرصة لا تعوض لتجديد الدماء في اوصال العلاقات الاجتماعية التي باتت تعاني في الكثير من جوانبها من اعراض فقر الدم العاطفي، حيث ينشغل كل فرد بحاله ناسيا حق الآخرين عليه، فيأتي رمضان ليطرق على ذلك الوتر المشدود، وتلك الروابط الحائرة بين جواذب الوفاء وعوامل القطع والبتر ليكون هو الجسر الذي يرمم تلك العلاقات الواهية ويعيد اليها شبابها وحيويتها ويؤكد للانسان من جديد ان الاصدقاء والأهل هم في منزلة لا تحتمل المساومة او التنازل عنها لاي سبب وتحت اي عذر. ومن غير رمضان يمكنه ان يغسل ما ترسب في النفوس من شحناء وقسوة؟ ومن غير رمضان يقدر على تنشيط الدورة الدموية لشتى نواحي النشاط الانساني، واذكاء العزم على تجسير الصلة بين الافراد، وبين بلوغ اهدافهم في الارتقاء المهني والاضافة الى ما بين ايديهم من مهمات تشترط الاتقان، وتقتضي التحمل والصبر والمثابرة. لقد اقبل شهرنا الذي نتباهى به بين شهور العام وفتحت جامعتنا التي نتمثل فيها القيم الرفيعة، ونلتزم بأرقى أنواع التعامل مع اشكال الحياة وصنوف البشر. وهنا في رمضان يحق لنا ان نرتدي ثياب العزة، ونحن نرى الآخرين يتصارعون لاعلاء منطق القوة، ونرى شهرنا الكريم يقوي فينا العزم على الالتزام بالعدل، والقيام بواجب عمارة الارض واسعاد الانسان. هذا ما اعده لنا رمضان. فماذا أعددنا له؟ وكل عام وأنتم بخير