الثلاثاء 30 شعبان 1423 هـ الموافق 5 نوفمبر 2002 تنجح الآلة الاعلامية الاميركية في توجيه أنظارنا إلى حيث تشاء لتحقق اكثر من هدف: إلهاؤنا عن القضية الأهم إلى جزئيات وفرعيات لا تقدم ولا تؤخر، ولزيادة تسطيح توجهاتنا الفكرية واهتماماتنا، ولتتمكن من انهاء بعض الامور والقضايا الخاصة بنا ولكن في غيبة منا وبخاصة غيبة الوعي والحضور. حكاية «فارس بلا جواد»، مثل على نجاح الماكينة الاعلامية الاميركية في ايقاعنا في شرك الاهتمامات الصغيرة، والغريب وقوعنا السريع، وانتقال الحالة كالعدوى للجميع وبخاصة ممن يدخلون في نطاق الكتاب والمثقفين وكتاب الرأي في الصحافة وبالأخص الصحافة الخليجية. يسقط المثقف في الفخ سريعاً ومن ثم يجر خلفه آلاف الناس من الذين يقرأون له، فتصبح حكاية مسلسل أو برنامج احتجت عليه الخارجية أو السفارة الاميركية في قطر عربي ما هي حكاية الموسم، والقضية المصيرية التي تتبارى الاقلام في تناولها وتحليلها ووضعها على محك التقييم والاختبار على أنها هي التي ستحسم مصير العلاقة والمعركة الوجودية بيننا وبين العدو، ثم يذهب هؤلاء المثقفون في العزف على وتر القوة العربية الكامنة في ثنايا التاريخ وتفاصيل الوثائق والتي تخافها الصهيونية العالمية وحليفتها اميركا، اذن فنحن مسلحون واقوياء ونرعب أميركا فلا داع للقلق ابداً، لاننا منتصرون حتماً، والدليل هذا الاحتجاج وذلك الغضب وتلك الحملة على المسلسل الفلاني والبرنامج العلاني، فينتشي القاريء وتقر عينه، ويندس في فراشه آخر الليل هادئا مطمئنا قرير العين، بينما يضحك الآخرون علينا ملء أفواههم وقلوبهم على سذاجتنا المتناهية!! لا أريد أن اؤكد، لكنها حقيقة وهي أن هذه الضجة حول المسلسل الذي «ارعب الولايات المتحدة» وكأنه مسلسل من بطولة اسامة بن لادن وليس محمد صبحي يشكل دعاية مجانية للمسلسل الذي ينتظره الجميع على أحر من الجمر، ولا أقلل من أهميته وضرورة تناول قضايانا وشرحها للناس باستخدام الدراما وتوظيفها، لكنني اعتقد بأن انغماس المثقف أو الكاتب في هذه المهاترات وتحميلها أكثر مما تحتمل، فيه من الضرر أكثر مما فيه من الفائدة. ان الصهيونية ودولة «اسرائيل» والولايات المتحدة لا تخافنا بسبب مسلسل أو برنامج، وليس المسلسل أو البرنامج هو علامة النصر أو حتى أدوات المعركة ضد هؤلاء خاصة في مثل حالتنا، واعلم بأن الاعلام أداة حاسمة، وبأن نصف معركة اليهود معنا قد شنت من خلال مدينة السينما في هوليوود وصناع الافلام فيها، لكننا في وضع مختلف تماماً، هم كانوا يستندون الى الاعلام ويستقوون به في الوقت الذي يستكملون فيه بناهم العسكرية والاقتصادية والسياسية، فكانت صناعة السينما أو الفن بشكل عام أحد اركان المعركة وليس كل المعركة، وحتى استخدامه كذراع مساعدة لم يتم بالطريقة الساذجة التي نتعامل نحن بها مع الفن أو الاعلام. معركتنا مع هؤلاء معركة وجود قائمة على ثوابت من الحق والشرعية وحقائق التاريخ والدين، وأدوات معركة بهذا الحجم وبهذه الخطورة يجب ان ترقى إلى مستواها، لا أن ننجرف وراء ألاعيب واخبار مبالغ فيها ويصور لنا مثقفونا الافاضل بأننا حررنا فلسطين، واستعدنا كامل حقوق الشعب الفلسطيني ببرنامج فكاهي يتهجم على شارون وبمسلسل يتحدث عن بروتوكولات حكماء صهيون!! هناك معركة طاحنة تدور رحاها على الاراضي الفلسطينية وهي الاهم من كل شيء آخر، وشارون بعد أن نجح في اقصاء حزب العمل من حكومة الائتلاف الوطني التي يرأسها، استعان بأشخاص كلنا نعرف تاريخهم الدموي والاجرامي وعقيدتهم الواضحة فيما يتعلق بحق اليهود الكامل في كل فلسطين وضرورة اجتثاث الشعب الفلسطيني من أرضه بترحيله منها أو القضاء عليه نهائيا، هكذا يؤمن «نتانياهو» و«شاؤول موفاز» وهكذا يكتمل مثلث التطرف اليميني، وتصبح سياسة «الترانسفير» أو الترحيل قاب قوسين أو ادنى من التنفيذ باتجاه الاردن (وهو أمر مستبعد في ظل التوازنات الحالية) أو العراق (وهو ما طرح منذ زمن طويل وما هو موضوع بعين الاعتبار في المخطط الاميركي بشأن العراق وتقسيمه)! هناك وثائق في غاية الخطورة حول استراتيجيات وتقسيمات لا تقل رعباً عن مخططات ما بعد الحرب العالمية الثانية (سايكس بيكو وغيرها) وعلى مثقفينا ان يتصدوا لها، وعلى سياسيينا وصناع القرار ان يفعلوا شيئاً، لأننا منذ الحادي عشر من سبتمبر ونحن نتحدث والجميع يعرف ما ينتظره وينتظر المنطقة، لكن فعلاً ما باتجاه حماية المنطقة أو وجود البشر فيها لم يحدث، لقد عجزنا ومازلنا عن اي رد فعل، وربما لذلك صارت ردود أفعالنا في مستوى مسلسل أو برنامج فكاهي ندافع عنه ونرى فيه انقاذنا!