الثلاثاء 30 شعبان 1423 هـ الموافق 5 نوفمبر 2002 سمعته يعلن عن نفسه دون حياء أو حرج بأنه يمارس الصوم في رمضان كوسيلة لتخفيف وزنه ـ لا اكثر. وبقدر ما يحرص على هذا الاعلان يحرص ايضاً على ابلاغ الناس ـ دون ان يسأله احد ـ برأيه في عبادة الصلاة، انكاراً وتبخيسا لها. وله في شهر الصوم برنامج ذاتي: يصوم يوماً ويفطر يومين او ثلاثة، دون اي عذر بالطبع. وفي مجادلاته لا يتحرج ايضاً عن اعلان عدم ايمانه بخالق او يوم حساب.. رغم تجاوزه سن الاربعين. ومع ذلك فهو بحكم شهادة المولد «مسلم».. يستفيد من كل ما توفره هذه الصفة للأفراد المسلمين في مجتمع مسلم. ولا اعرف احصائياً مدى انتشار هذا النموذج في المجتمعات الاسلامية، لكن اخال انهم ليسوا بالقليلين. ومحنة هؤلاء ليست عدم ايمانهم بالغيب بقدر ما هي تلك الكراهية المتشنجة لقيم السلوك الخلقي القويم التي تنطوي عليها العقيدة الدينية في منهج التعامل بين بني البشر.. كالصدق والمروءة والوفاء والأمانة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر. خلال رحلة الحياة صادفت اعداداً من هذا النموذج فاكتشفت ان هناك قاسماً مشتركاً بين شخصياتهم رغم ما يبدو عليها من اختلافات فهم جميعاً مصابون بداء مركزية الذات. تفكيرهم تجاه اي موقف كبير او صغير عبر الحياة اليومية يبدأ من ذواتهم وينتهي اليها. وعندما يستبد داء مركزية الذات بشخص ما فإنه يسلبه خاصية الانتماء.. فهو لا ينتمي الى اي شيء سوى اهوائه ونزواته وشهواته. بيني وبين نفسي اسميهم «اللامنتمين». لقد فقدوا انتماءهم الى وطن وانتماءهم الى قومية وانتماءهم الى عقيدة فالانتماء يتطلب التزاماً. وابغض شيء الى «اللامنتمين» هو الالتزام. فمن هنا كان بغضهم المرضي للعقيدة الدينية لأنها تلزم الانسان بقيم التعامل الاخلاقي. وبتداعيات المنطق الامتدادي فإن كراهيتهم للاسلام كعقيدة امتدت الى كراهيتهم للمسلمين كأمة: تنتابهم فرحة فجورية كلما سمعوا خبراً عن مصيبة تنال من الأمة الاسلامية في اي مكان او زمان.. ويستبد بهم خوف وجزع كلما سمعوا عن حدث فيه انتصار للأمة الاسلامية. هل هي حالة مرضية؟ لنقل اولاً انها حالة غير طبيعية، خاصة لدى من تجاوزوا الاربعين ـ سن النضج الأعظم. ربما نتفهم حالة شاب في مطلع العشرينيات لا يهتم كثيراً بالانتظام في عبادة الصلاة او الصوم، مؤثراً الانجراف الشبابي في ملذات حسية. هذه غالباً تكون غفلة عن العقيدة وما تتطلبه من ايمان بالغيب وترجمة هذا الايمان الى عمل من جنسه. انها غفلة طائشة عن العقيدة وليست كراهية مقصودة لها.. في اغلب الحالات. ولأن كراهية العقيدة عن عمد واصرار وعن قلب ينضح بالحقد الدفين عليها، سلوك شاذ فإن الشخصية الصادرة عنها هذه الكراهية لابد ان تكون شخصية شاذة. واوجز القول لأقول لكم ان كل شخصية عرفتها من هذا الصنف من خلال رحلة الحياة كان لها نشأة طفولية غير سوية.. غير طبيعية. هذا قاسم مشترك آخر. ومن بين قواعد علم النفس ان الشخصية الانحرافية التي تحترف فرعاً من فروع الاجرام نشأت قطعا في بيئة ابوية منحرفة. وأعرف شخصياً افراداً لا تعادل كراهيتهم للسلوك الخلقي القويم مما تدعو اليه العقيدة الدينية الا كراهيتهم اما للأب أو للأم او لكليهما معاً لسبب يتعلق بانحراف الأبوين. لكن علم الاجتماع يدخل ايضاً على الخط فيما يتعلق بالمجتمعات العربية. فالبيئة الاجتماعية الاكبر ليست بأقل تلوثاً.. بل هي ادهى وأمر. انها البيئة التي يفرزها الحكم الاستبدادي بكل قهره وفساده. فالفرد في مثل هذه البيئة يتعلم «حكمة» الخلاص الفردي، اما ارتعاباً من سطوة السلطة او طمعاً في استرضائها.. ومن هنا تكون النزعة نحو مركزية الذات بأهوائها ونزواتها. وصفوة القول ان المستهتر بالعقيدة الدينية وما تتطلب من التزامات اخلاقية، هو بالضرورة شخصية انانية تكره تلك الحواجز والحدود التي يتطلبها السلوك الخلقي القويم. انه شخص قرر ان يقتل ضميره خنقاً حتى لا يستشعر اي انزعاج او قلق اذا تراءى له في موقف ما ان يكذب او ينافق او يبتلع اهانة او يعتدي على شرف او يستطيل على ضعيف.. وكل ما تدعو اليه عقيدة سماوية.