الثلاثاء 30 شعبان 1423 هـ الموافق 5 نوفمبر 2002 الرئيس جورج بوش الابن يكره صدام حسين، هكذا صرح بلا مواربة، وهذا النوع من الكراهية الدولية يعد مفهوماً جديداً تسلل الى العلاقات الدولية من خلال ما أطلق عليه جورج بوش الأب «النظام الدولي الجديد»... فلا بأس في اطار هذا المفهوم أن يضحي الابن بحلفائه في حلف الأطلسي، أو بكرامة المنظمة الدولية، أو باستقرار منطقة الشرق الأوسط ومستقبل أصدقائه في تلك المنطقة.. وذلك يتطلب من فقهاء السياسة والقانون الدولي أن يشحذوا أذهانهم كي يتوصلوا الى تعريف لهذا المفهوم الجديد. فالسياسة التي هي في التحليل الأخير علاقة بين مصالح تأخذ أشكال الصراع أو التعاون أو التحالف..الخ، أصبحت علاقة بين أفراد تأخذ أشكال الحب والكراهية بين زعماء الدول، واستطراداً لهذا التحليل فربما يكون من صالح الدول المغلوبة على أمرها أن تنتخب ملكات الجمال فيها لمنصب الملك أو الرئيس لأن ذلك يضمن على الأقل حب بوش أو أي بوش آخر، وهكذا يسود الاستقرار والسلام أرجاء الكون. ولعل اسرائيل كانت قد أدركت هذه الحقيقة منذ زمن طويل، حين اختارت جميلة الجميلات «غولدا مائير» رئيساً لوزرائها، وحين سيطر أتباعها على صناعة السينما والنجوم وبيوت تجارة المتعة، ويدخل في ذلك أيضاً الجهد الذي بذلته اليهودية الحسناء مونيكا لوينسكي مع بيل كلينتون، حيث أسفرت مفاوضاتها معه في أروقة وممرات البيت الأبيض الطاهر عن ما يسمي «كامب ديفيد 2» التي صارت أسطورة يعايرون بها الرئيس الفلسطيني باعتبارها فرصة ذهبية ضائعة، أو بالأحرى اهداراً غير مبرر للعرق الذي أسالته مونيكا أثناء مفاوضاتها العسيرة مع بيل كلينتون !! ولكن لماذا يكره جورج بوش الابن الرئيس صدام حسين الى هذا الحد؟؟ هل يمكن اعتماد نظرية التراث العائلي للاجابة عن هذا السؤال؟ بمعني أن بوش الابن ورث من أبيه بعض صفاته الوراثية وأهمها كراهية صدام، أي أن المسألة تتعلق بالجينات الوراثية، وبالتالي فقد يمكن حل هذه المشكلة عن طريق الهندسة الوراثية؟! أم تراها حالة من عدم الاستلطاف، ترتبط أساساً بمسائل نفسية وعقدة منذ الطفولة يمكن أن تجد حلاً لدى طبيب نفسي ماهر يمكنه أن يجري بعض الجلسات المفيدة مع بوش الابن حتي يخلصه من تلك العقدة التي قد تؤدي الى حرب مدمرة!! ربما لا هي هذا ولا ذاك، فقد تقتصر المشكلة على تحفظات ثقافية، ونعني بالثقافة هنا كل مشتملات رصيد العقل من موروث ثقافي وديني وعادات وتقاليد.. الخ، فمن المؤكد مثلاً أن صدام لا يعيش على الطراز الأميركي (American way of life) ، كما أنه لا يحلم بالحلم الأميركي (American dream) ، ولا يعبد أصنام العولمة والاقتصاد الحر، ولا يكتب الشعر في موضوعات حقوق الانسان والديمقراطية، وكل هذه العوامل مجتمعه يمكن بل وتؤدي الى نوع من التحفظ العقلي الذي يؤدي الى نوع من الكراهية والازدراء.. الا أن ذلك يتعارض مع جوهر المبادئ الأميركية التي يبشرون بها في العالم، فهم يزعمون مثلاً بأن مجتمعهم هو البوتقة التي تنصهر فيها كل الثقافات، فهو مجتمع الوحدة مع التنوع، متحف حي للتعايش بين مختلف الثقافات في اطار مجتمع واحد.. ولقد بقي فيدل كاسترو في كوبا رغم العمليات السرية العديدة التي دبرتها الولايات المتحدة الأميركية، ورغم الحصار الذي استمر لما يزيد على أربعة عقود متواصلة، كما أن صدام حسين لا يزال في موقعه رغم الحصار والقصف المستمر لمدة تزيد على عشرة أعوام، كما صمدت الجمهورية الاسلامية في ايران للحصار الذي فرضته الولايات المتحدة الأميركية لما يزيد على عقدين من الزمان. ومن الملاحظ أن الولايات المتحدة الأميركية لم تنجح دائماً في اقناع الدول الأخرى كي تشترك معها في تلك الاجراءات العقابية (ومنها الدول الحليفة في حلف الأطلسي) ، ولذلك انفردت في حالات كثيرة باتخاذ تلك الاجراءات، ويذهب بعض المحللين الى أن تلك الاجراءات قد أحدثت خسائر للولايات المتحدة بقدر الخسائر التي لحقت بالدول المعاقبة، ومن ذلك توتر بعض علاقاتها مع حلفائها، وكذلك الاضرار بمصالحها التجارية دون تحقيق الهدف السياسي من العقوبة. لذلك ذهب هؤلاء المحللون الى أهمية أن تتبع الولايات المتحدة سياسة بديلة، أطلقوا عليها سياسة «التداخل» Engagement ، وهي في نظرهم ليست مجرد نقيض العزلة، وانما هي سياسة تستند على تقديم حوافز سياسية واقتصادية وثقافية للتأثير على تلك الدول المارقة بالشكل الذي يغير سلوكها. وسياسة «التداخل المشروط» هي علاقة ما بين حكومتين، تقدم فيها الولايات المتحدة بعض الحوافز للدولة المستهدفة في مقابل تغيير معين في سلوك تلك الدولة، وكان ذلك هو الخيار الذي أقدمت عليه الولايات المتحدة عام 1994 عندما وقعت مع كوريا الشمالية اتفاقية اطارية Framework Agreement ، التزمت كوريا بمقتضاها أن تتوقف عن تطوير سلاحها النووي في مقابل امدادات بالوقود، وبناء مولد للطاقة النووية، ونوع من التطبيع الدبلوماسي. لقد كانت كوبا عند توقيع العقوبات عليها عام 1962، تمثل رأس حربة للشيوعية في الفناء الخلفي للولايات المتحدة، بما يهدد المصالح الحيوية لها، خاصة بما عمدت اليه تلك الدولة من محاولات لتصدير ثورتها الى دول أميركا اللاتينية، ويصعب الآن القول بأن كوبا لا تزال تمثل نفس الخطر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومعه كل منظومة ما كان يسمي بالكتلة الشرقية، ومن الواضح أيضاً أن استمرار الحصار على كوبا لم ينجح في اسقاط نظام الحكم فيها. لذلك يرى البعض أنه من الأفضل للولايات المتحدة أن تتبع مع كوبا سياسة التداخل المشروط وغير المشروط، بحيث تتدرج في منح الحوافز لنظام كاسترو في مقابل تغيير معين في سلوكه. ورغم أن التطورات الأخيرة في ايران قد أشارت الى نهج أكثر اعتدالاً، الا أنها تركزت في السياسة الداخلية أساساً، ومع ذلك فأن البعض يرى أنه قد آن الأوان لاستكشاف سياسة التداخل المشروط ما بين الولايات المتحدة وايران، وقد بدأت فعلاً ادارة الرئيس كلينتون في عامها الأخير تخفيف حصارها من خلال رفع القيود على الصادرات غير البترولية الايرانية، ومن هنا يرى هذا الرأي أنه يجب تشجيع مزيد من الاتصالات بين الهيئات والأفراد غير الحكوميين في المرحلة الحالية، بحيث يمكن تدريجياً تشجيع الحكومة الايرانية على تغيير سلوكها وخاصة فيما يتعلق بالارهاب وبرنامجها في الأسلحة غير التقليدية، وموقفها من السلام مع اسرائيل. قد لا يكون صدام حسين هو بالضبط فيدل كاسترو، ومن المؤكد أن بوش الابن ليس هو «جون كيندي»، ولكن هل تكون الموقعة العسكرية التي تخطط لها الادارة الأميركية الحالية نسخة عصرية لموقعة «خليج الخنازير» في كوبا؟ أم أن صوت الحكمة الغائب سوف يجد منفذاً عبر جدران البيت الأبيض؟ ـ كاتب مصري