الثلاثاء 30 شعبان 1423 هـ الموافق 5 نوفمبر 2002 كثير من التوجسات والمقولات سبقت أزمة حكومة شارون، فمنهم من أنطلق من الفشل الأمني الذريع، ومنهم من رأى بأن تركيبة هذه الحكومة كان ومازال مجرد تركيبات انتهازية مؤقتة بهدف المحافظة على الوجود السلطوي. بينما ذهب البعض الآخر الى اعتبار ان حكومة التحالف الأخيرة بين الليكود وتجمع القوى الدينية المتطرفة من جهة وحزب العمل من جهة أخرى جاءت كمحاولة لتخفيف الآثار المدمرة التي فرضتها انتفاضة الأقصى على الواقع الاسرائيلي برمته، والتي أعادت الوضع الاسرائيلي على كل المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، وهي الأهم، الى العام 1948. مبرراً من خلال ذلك الفهم، هذا التحالف اللقيط، اذ لم تشهد اسرائيل منذ نشوئها وحتى لحظة عقد الشراكة في نهاية العام قبل الماضي، مثل هذه الحكومة الجهنمية التي وأدت الفواصل بين ما يسمى باليسار واليمين في آن معاً. وبصرف النظر عن التوصيف، والتحالفات التي غيرت في بنية الخارطة الحزبية في اسرائيل، فقد وصلت حكومة شارون المتحالفة مع من يسمون بصقور حزب العمل الى الطريق المسدود، ولعل هذا الوصول كان بسبب جملة من الأسباب الداخلية والخارجية على حد سواء. أما ما يخص الداخل فجل المسألة تتلخص في أن حزب العمل الاسرائيلي قد وصل منذ وقت لا يستهان به، الى الحقيقة القائلة بأن كتلة بها من قيادات وكوادر الحزب وحتى مناصريه، قد توصلوا الى قناعة لا لبس فيها، بأن هذا التحالف كان بمثابة اطلاق رصاصة الخلاص على هوية حزب العمل، ومكانته على مستوى الداخل الاسرائيلي، وأن الحفاظ على هوية الحزب ومكانته السياسية تتطلب وقفة جادة من قبل صقور الحزب في ظل مرحلة بدأت التكتلات الحزبية الرافضة لهذا التحالف بالتفكير ملياً في خلق بدائل حزبية ـ سياسية، بعيداً عن كتلة الصقور المتمثلة بتحالف بيريز ـ بن اليعازر. وقد ظهرت هذه القضية بوضوح اثر الاجتماع الأخير لمركز حزب العمل، وما تمخض عنه من صراع حاد حول مسألة سياج الفصل؛ التي طرحها شارون وأيدها رئيس حزب العمل فؤاد بن اليعازر بحماسة منقطعة النظير كعادته. بينما اعتبر حاييم رامون ممثل الحمائم في الحزب أن هذا التأييد يحقق لشارون التهام كافة الأوراق التي كان يمتلكها الحزب. بل أكثر من ذلك اعتبر أنه من الصعوبة بمكان لحركة سياسية، تعتبر نفسها حاشدة لقوى الوسط واليسار؛ أن تصل الى ما وصلت اليه، خاصة وأنها التي أقامت عملياً الدولة ـ اسرائيل ـ ومؤسساتها الرئيسية. حتى بدأت الأصوات تتعالى حول ضرورة العمل على تقديم زعامة اسرائيلية أخرى غير الزعامة الحاكمة تقدم نموذجاً للعالم بعد أن أصبحت اسرائيل في الحضيض في نظر هذا العالم. وقد يكون يوسي بيلين، الأكثر وضوحاً عندما قال: «اننا بحاجة كي يعيدوا لنا روح حركة العمل، روح الصهيونية الصافية، التي لا تريد أن تدوي على شعب آخر ولا تتحدث بمصطلحات الماسيحانية». لدرجة وصل الأمر مع هذه الكتل لمطالبة حزب العمل، بضرورة القيام بمهامه في تعبئة الجهاز الهائل الذي لديه لقيادة اليسار، وليس فقط في سبيل الانجرار وراء أفكار شارون بداية من اقامة السياج الفاصل وانتهاء بالميزانية. بموازاة انهيار حزب العمل وتفكك معسكر اليسار، دفع معسكر اليمين بكل تلاوينه لاغتنام هذا الانهيار في الانقضاض على مجمل الحياة العامة الداخلية، خاصة وأنه يعيش حالة من الازدهار لم يكن يوماً يحلم بها من قبل لفرض شروطه السياسية والاقتصادية والأمنية، بما في ذلك رؤيته الخاصة في شكل العلاقة، راهناً ومستقبلاً، مع الفلسطينيين والقائمة على أساس من المفهوم الأمني المحض. وثمة أسئلة تدور: هل حقاً هذه المعضلات المطروحة، وحدها التي أوصلت تحالف الذئاب الى هذا الموصل؟ أم أن شيئاً أكبر من ذلك عجل في وأد تحالف حكومة شارون؟ الواقع أن الوضع الحزبي الاسرائيلي برمته ان لجهة الليكود أو لجهة حزب العمل، يعيش حالة من الأزمات الداخلية، بسبب حالة التنافس الضارية عند كليهما، فشارون على سبيل المثال، خاصة بعد فشل خططه الأمنية في وأد الانتفاضة الفلسطينية، يعيش هاجس نتانياهو الذي ما يزال يزاحمه بجدارة، بالمقابل انفضاض الكتلة الصماء عن تحالفه، التي تشكل حسب الاحصائيات الاسرائيلية ثلثي اليهود، والتي باتت تعتقد بضرورة قيام دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل، واخلاء بعض المستوطنات والخروج بمبادرة سياسية حقيقية تحترم الطرفين، أصبحت هذه الكتلة ترى في بعض حمائم العمل المعبر الحقيقي عن أهدافهم السياسية المسكونة أمنياً قبل أي شيء آخر. لذلك وجد شارون ضالته في مواجهة هاتين المشكلتين بضرورة اتخاذ خطوة استباقية، من خلال استخدام الميزانية كسلاح قد يطيل في عمره السياسي، ان كان على مستوى التكتل، أو على مستوى جمهور الناخبين. بمعنى أكثر وضوحاً، أن ما شهدناه من تداعيات في الكنيست بخصوص النقاش على بنود الميزانية لم تكن هي المعضلة، بقدر ما كانت الخلفيات الانتخابية التي أدت الى انهيار حكومة الوحدة الوطنية في اسرائيل. فشارون في تعنته لقاء زيادة مخصصات الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة، لم يكن الا محاولة لاسترضاء جموع المستوطنين، بعد أن خسر كما أسلفنا موقف الكتلة الصماء، بهدف كسبها للانتخابات الاسرائيلية العامة، وتفويت الفرصة ما أمكنه ذلك على الأخ العدو نتانياهو الذي أصبح هو الآخر بنظر جمهور تكتل الليكود يعتبر المخلص بعد أن أخفق شارون في كل خططه ومشاريعه. بالمقابل وجد فؤاد بن اليعازر ضالته بالاستقواء على حزبه المتداعي بارضاء المتقاعدين على حساب الميزانية الذين يشكلون الغالبية العظمى لأعضاء وناخبي حزب العمل، هذا من جهة، أما من جهة أخرى فانه يكون اذا ما نجح في ذلك قد وضع يوسي بيلين وحاييم رامون في الزاوية، ويكون بذلك أيضاً، قد تخلص من عقدة حمائم العمل. أما ما يخص العوامل الخارجية، فبالنسبة للفلسطينيين اذا ما اعتبروا بأنهم أحد العوامل الخارجية فقد أفشلوا بعملياتهم الاستشهادية كل ما سعى شارون لتحقيقه سياسياً، على عكس ما يشاع بأن هذه العمليات قوت من مواقع شارون الداخلية، وفوتت الفرصة على كل مقولاته ومفاهيمه الأمنية بداية من الاجتياحات والحصارات وانتهاء بالاغتيالات وتدمير البيوت، وقد تكون لغة الأرقام والاحصاءات هي البرهان على ذلك. دون أن نغفل حقيقة الموقف الأميركي، الذي على ما يبدو أراد احداث تغيير حكومي بهدف فرض حلول على الجبهة الاسرائيلية ـ الفلسطينية ايذاناً بالتقدم نحو العراق، وأن حزب العمل التقط الفكرة والتف على شارون باعتباره الأقدر على تمثل الرؤية الأميركية لمستقبل هذه المنطقة برمتها وليس على الجبهة الفلسطينية ـ الاسرائيلية وحسب. ولعل الأيام القليلة المقبلة ستكشف ما بقي مستوراً حتى هذه اللحظة. ـ كاتب فلسطيني