الثلاثاء 30 شعبان 1423 هـ الموافق 5 نوفمبر 2002 في عالم اليوم المليء بالكوارث والاحداث اصبح محتما على الدول والانظمة تطوير وسائل المواجهة وطرق ادارة هذه الكوارث والاحداث ومعالجتها حتى لا تنقلب المشكلة الى كارثة كبرى وتكون النتائج ذات اثر عكسي وسلبي. خلال الاسبوع الماضي تداولت وسائل الاعلام المحلية والعالمية قضية احتجاز الرهائن الروس داخل قاعة المسرح الوطني في موسكو من قبل بعض الافراد من الشيشان مطالبين الحكومة الروسية بضرورة الانسحاب من بلدهم مقابل فك احتجاز الرهائن وهددوا بأنهم سيقومون بتفجير مبنى المسرح وقتل جميع الرهائن في حال حاولت الحكومة الروسية اقتحام المبنى لتخليص الرهائن. لم يكن امام الحكومة الروسية خيارات كثيرة فبدا واضحا ان مسألة تحرير الرهائن كانت هي الخيار الوحيد المطروح امام اصحاب القرار اما المسألة الاخرى فقد كانت هي في الكيفية وبأقل الخسائر، لذا تم اقرار استعمال غاز لا يكون من النوع الممنوع دولياً لكي لا يضر بسمعة روسيا ويكون له التأثير السريع والمباشر في شل حركة المختطفين فتم اتخاذ القرار بناء على ما يلي: 1 ـ ان يتم استعمال غاز له خاصية في احداث عجز مؤقت لكل من يتعرض له. 2 ـ ان يكون هذا الغاز من النوع السريع المفعول على من يستنشقه وبالتالي لا يعطيه المدة الكافية لكي يقوم برد فعل عند ملاحظته لوجود مثل هذا الغاز وذلك لمنع المختطفين من القيام بتنفيذ تهديدهم وقتل الرهائن او تفجير المكان بمن فيه. 3 ـ ان لا يكون للغاز خاصية ضارة جداً أو قاتلة وبالتالي توقع خسائر فادحة في صفوف الرهائن مما يعرض العملية للفشل وسمعة الحكومة الروسية امام المجتمع الدولي وامام الشعب الروسي نفسه للانتقاد خصوصا انها ليست في وضع يحسد عليه فيما يخص قضية تواجد القوات الروسية في الشيشان. من هنا تم اقرار استعمال غاز يحمل هذه الخواص المذكورة آنفا ويحقق النتائج المرجوة لنجاح العملية. اذن ما هو هذا الغاز وما هي خصائصه؟ منذ الساعات الـ 48 الاولى بعد اتمام العملية وفي ظل الغموض الذي لفها فيما يخص نوع الغاز المستعمل وتضارب الانباء حول نوعيته، حيث تركزت معظم التوقعات في البداية على انه كان نوعا من انواع غازات الاعصاب أو غاز BZ «ب R» وهما من الانواع المحظورة دولياً وروسيا من الدول الموقعة على الاتفاقات الدولية الخاصة بحظر هذه المواد الخطرة. في ظل هذا الغموض خرجت انباء اولية تتحدث عن احتمال ان القوات الروسية استعملت نوعا غير مألوف من المواد الكيماوية وله خواص مختلفة عما يستعمل في الحروب الكيماوية، وكان التركيز على ان هذا الغاز ربما يكون مادة مخدرة وبصفة اخص نوعا من انواع الافيونات او مشتقاتها، وبالفعل وبعد طول انتظار افرجت الحكومة الروسية عن ماهية المادة التي استعملت وسببت عجزا مؤقتا للمختطفين مما سهل للقوات الخاصة دخول المبنى وتحرير الرهائن، هذه المادة تسمى فانتانيل ٌٌَّفَفئ وهي احد انواع الافيونات الصناعية التي لا تدخل في صناعتها مواد طبيعية مثل الافيون أو المورفين. ما هي خصائص هذه المادة؟ هذه المادة كباقي الافيونات لها تأثير تخديري على من يتناولها او يتعرض لها مثل الرهائن والمختطفين وفي حالات الجرعات المرتفعة نسبياً تسبب نوعا من الهبوط والخدر في الجهاز العصبي المركزي مما لا يعطي لمن يتعرض لهذه المادة امكانية الحركة ورد الفعل وهذا ما حصل للمختطفين الذين اخذوا على حين غرة وفوجئوا بالغاز يشل حركتهم ويعجزهم عن رد الفعل. من ميزات مادة الفانتانيل ايضا انها سريعة المفعول وتستعمل بشكل واسع في قطاع الطب، وهذه المادة في حالة استعمالها على هيئة غاز لا تكون قاتلة كما هو الحال مع الغازات المستعملة في الحروب الكيماوية حيث تعمل فقط على اماكن الاحساس بالألم وعند اخذها بجرعات عالية تسبب النوم، اما الجرعات الكبيرة فتسبب فشلا في الجهاز التنفسي والموت احيانا. اذن ماذا حدث هناك أو لماذا كانت الوفيات بأعداد كبيرة؟ يفترض في حالات استعمال الفانتانيل كغاز انه موجه اما لقوات عسكرية او مختطفي رهائن او اية جماعة مقاتلة وهؤلاء جميعهم عادة ما يكونوا اصحاب قوى جسمانية وقدرة تحمل عالية، لكن ما حدث خلال ازمة رهائن موسكو ان كثيرا من الرهائن كانوا من كبار السن وبعضهم من الاطفال الذين لا يحملون مواصفات وقدرات التحمل الموجودة لدى الشباب، بالاضافة الى ان الروس لم يأخذوا في الحسبان ان كثيرا من الرهائن كانوا في حالة جسدية ونفسية متدنية بعد مرور حوالي ثلاثة ايام على احتجازهم داخل مبنى المسرح مما جعل هؤلاء الرهائن عرضة للتأثر بالغاز اكثر مما لو كانوا في حالة اخرى وهذه من الاسباب التي تسببت في ازدياد حالات الوفيات بين الرهائن حسب الاحصائيات النهائية للقتلى. فقط اثنان من الرهائن الـ 120 قتلوا بالرصاص اما الباقين فقد ماتوا بسبب استنشاق الغاز المخدر تحت ظروف سيئة اساسا. وضح من خلال سير العملية وكثرة القتلى بين الرهائن مدى التخبط وسوء الادارة الذي ظهرت عليه اجهزة الشرطة وأصحاب القرار في موسكو، نلخص منها بعض الملاحظات التالية: 1) لم يتم اعلام المستشفيات والاطباء بضرورة الاستعداد والتجهيز الا بعد حدوث العملية حيث تفاجأت المستشفيات بأعداد كبيرة من المصابين ربما لم تحدث في تاريخها تفد اليهم للعلاج من حالات تسمم قصوى وحالات طواريء شديدة. 2) عدم اعلام المستشفيات بالتجهيز للحدث ترافق مع عدم اعداد هذه المستشفيات للعلاج المناسب والامصال المضادة. 3) تشبث القادة العسكريين والسياسيين بعدم الافصاح عن ماهية المادة أو الغاز المستعمل مما وضع الاطباء في حيرة من امرهم وفرض عليهم تجربة انواع مختلفة من الامصال فشلت جميعها في انقاذ الضحايا. 4) كان من الافضل ان تجهز جميع سيارات الاسعاف ورجال الاسعاف بامصال جاهزة على شكل حقن تستعمل ميدانيا وفيها المصل المضاد للمادة التي استعملت في الغاز وبدون الحاجة الى الافصاح عن نوع هذه الامصال تجنبا لامكانية تسرب الخبر او المعلومة الى جهات اخرى. 5) استعمال الامصال ميدانيا كان سينقذ الكثير من الضحايا لان معظمهم كان يعاني من صعوبات في الجهاز التنفسي وكانوا ببساطة يموتون تدريجيا ولذا فالانتظار حتى نقلهم الى المستشفيات والتي ايضا لم تكن مستعدة، لم يمكن من انقاذ هؤلاء في الوقت المناسب. مما سبق نستطيع ان نخلص الى ان كل النجاحات التي تم التصفيق لها مباشرة بعد انتهاء عملية انقاذ الرهائن اهتزت صورتها وضعف حجمها نتيجة تواتر وازدياد القتلى من الرهائن والذي جعل العملية تبدو اقرب الى الفشل او النجاح الناقص منها الى النجاح المطلق، مما عرض سمعة الحكومة الروسية الخاصة الى كثير من الانتقاد محليا وعالميا على الرغم من الدعم الاعلامي الرسمي الذي حصلت عليه موسكو من كثير من الدول. ان ادارة الكوارث فن اثبتت موسكو انها مازالت بعيدة عنه وان السرية وبطء القرار والاستعداد المنقوص الضعيف ما هي الا مجموعة من الاسباب المهلكة لاي عمل والموقفة لاي نجاح ممكن. صحيح ان فكرة استخدام الغاز وخصوصا هذا النوع غير محرم دوليا اعطي موسكو اطراء من المجتمع الدولي على الاقل في بداية الامر الا ان سوء ادارة العملية انقص هذا النجاح وجلب كثيرا من الانتقاد وكثير من الحزن وكثير من القتلى. ـ خبير سموم ومخدرات