الثلاثاء 30 شعبان 1423 هـ الموافق 5 نوفمبر 2002 عند انتهاء المؤتمر الأول الذي عقدته مؤسسة الفكر العربي الأسبوع الماضي في القاهرة، حاولت أن احدد ما هي القضايا الجوهرية التي تجمع اليوم هموم الأمة العربية فكريا وتم طرحها في المؤتمر الذي حضره الكثير من المهتمين بالشأن العربي العام، فوجدت أن القاسم المشترك الذي كان يجمع الصورة و يشكل اللون الخلفي الغالب لها هو موضوع الحريات، أو قل نقصها في عالمنا العربي المعاصر، وخاصة الحريات الفكرية، فالفضاء العربي المعاصر جائع للحريات كمعدة فقير. ففي الشق الاقتصادي الذي كان محوره التعاون العربي ظهر النقص في الحريات كعامل أساس في ضعف التبادل الاقتصادي البيني بين العرب، قال ذلك متحدثون ثقات في الشأن الاقتصادي حيث ان الدول العربية ترغب علناً في تعزيز التبادل الاقتصادي بينها، وتضيق عمليا بالقوانين ، على الآليات المؤدية له، إما بسبب حماية المنتج المحلي أو بتشديد القبضة الحكومية على الاقتصاد، بل لفت أحدهم الانتباه لقضية هامة هي أن سبب نجاح السوق الأوروبية المشتركة من بين أمور أخرى، أنها اشترطت على الدول الراغبة الدخول فيها أن تكون ذات «ديمقراطية حديثة» ولهذا السبب تأخر دخول أسبانيا و البرتغال، وتتلكأ دول أوروبية أخرى اليوم على بوابة السوق المشتركة لذلك السبب، وهو النقص في الحريات العامة. وفي التعليم، تبين أن تخلف التعليم العربي أساسه نقص الحريات للمعلم و المتعلم على السواء، وفي الموضوعات المتتالية التي بحثت في المؤتمر، مثل موضوع المرأة وموضوع التوجه للديمقراطية، برز أيضا عامل نقص الحريات كمتغير يكاد لا يكون له شريك كعقبة في التقدم العربي إلى الأمام. حلقة مفرغة الحريات هي من جملة السهل الممتنع، فالكل يشعر بنقصها في شكلها المطلق عند الآخر ولكنه شعور ينتمي للآخرين و ليس للذات، فالتونسي مثلا يشعر بنقصها لدى الجزائري، والمصري يشعر بنقصها لدى الليبي، و اللبناني يشعر بنقصها لدى القطري، ذلك على سبيل المثال لا الحصر.. وهكذا تستمر الأطروحة في دورة لا نهائية تنبع من فضاء و تصب في فضاء آخر، و لكن لا أحد يريد أن يطلبها لنفسه أو يعترف بنقصانها لديه، لأنه إن فعل عليه أن ينقد «نقص الحريات» في وطنه، و هنا نقع في حبائل المقولة الشهيرة أن فاقد الشيء لا يعطيه، فكيف يستطيع أن يطالب بها إن كانت ناقصة أو معدومة لديه. إنها حلقة مفرغة تضغط على المواطن العربي فلا يجد أهل النخبة لها من مخرج غير المطالبة بها للآخرين، وتجاهل المطالبة بها للنفس، لان ذلك له ثمن وقليل من هذه النخبة على استعداد أن يدفعه لأنه ثمن باهظ. إلا أن الحقيقة تبقى ثابتة وهي أن الفكر العربي المأزوم في عصرنا والبالغ النقص في الحريات هو الذي يعطل تحقيق كل ما يريده ويرغب فيه الكثيرون من أهل النخبة العربية، فهذه النخبة أول من يعرف ويعترف أن الأمم لا تنهض وتنفض عنها الغبار دون نهضة فكرية، والأمم التي تتصف بالعجز الفكري غير قادرة على الفعل ولا حتى على ردات الفعل، وهي بالتالي لا تملك فكراً يقودها إلى الخروج من المأزق الذي تواجهه من جهة، ومن جهة أخرى فان نقص الحريات هو الذي يفاقم الوقوف في المكان واجترار الماضي وأعادة الحديث في السائد و المكرر والنمطي، كما يؤكد تعظيم الماضي الذي يتضخم في ذهن الشباب على أن تكراره بحذافيره ممكن، مما يصبح معه الفكر مقولب ومتجمد بعيدا عن الزمان و المكان، يسمح فيما يسمح بتكوين بيئة تنتعش فيها دوافع الإرهاب الذي يؤلب بدوره على الأمة كل الشرور، فيزداد الفكر تأزما، ذلك انه غير قادر على أن يقدم مشروعا فكريا جديدا يتيح السبل للخروج من المأزق، بل يذهب ويشيع خطأ أن حل مشكلات اليوم هو بالعودة إلى أدوات الماضي التي حلت مشكلاته، وهو أمر يزيد الأزمة عمقا دون أمل في الخلاص. والإرهابيون وفكر الإرهاب المتوسع في الانتشار بيننا هو محصلة طبيعية لنتاج ممارسات متراكمة زمناً من اجترار الماضي الثقافي وإعادة إنتاجه دون اجتهاد يذكر من جهة، وممارسات موغلة في التعسف بسبب نقص الحريات من جهة أخرى، فكان رد الفئة المتشددة هو الغلو الذي لاتعرف غيره والذي قاد إلى المزيد من التأزم، ولكنه هذه المرة - وبسبب العولمة - تأزم تجاوز الوطن إلى وضع دولي تضيع معه أبسط حقوق الأمة. وإذا انتقلنا من العام إلى الخاص فليس من الغريب أو المدهش، على سبيل المثال أن يتزامن عقد المؤتمر الأول لمؤسسة الفكر العربي في القاهرة بخطوة درامية من الجماهيرية الليبية في طلب الانسحاب الملح من الجامعة العربية ومقرها القاهرة، بسبب ما سماه بيانها الرسمي «عدم فاعلية عربية تجاه مسألتي العراق و فلسطين» في الوقت الذي تقام فيه في ليبيا مسابقة جمال الانترنت وتتشرف ملكة الجمال الأميركية «بحمل جنسية الجماهيرية»! قد يبدو هذا الوصف سرياليا موغلا في سرياليته، و لكنه جزء من الحقيقة الماثلة أمامنا في بعض منحنيات الفكر العربي التطبيقية اليوم، فمن جهة تحمل «مؤسسة» ليس لها فاعلية سلطة رسمية وزر مجموع غير متوافق، في الوقت الذي يزاح عن كاهل عضو في الجامعة رغبة التفكير الجاد للمساهمة في الخروج من المأزق، ذلك مثل تجاوره أمثلة كثيرة تختلف في الشكل وتتماثل في المضمون. التبرير والتنفير وفي لقاء جانبي مع السيد أمين عام جامعة الدول العربية الذي جاء إلى منصبه بطاقته وأفكاره الجديدة في الوقت الخطأ و الزمن غير الصحيح، قلت له: من الأفضل أن تترك ليبيا لقرارها «الرشيد» بالخروج من الجامعة، لعله في الوقت القريب تتبعها بعض البلاد العربية حتى تتكون مجموعة خارج الجامعة تنشئ لها جامعة رديفة، وقد يفعل قانون التنافس فعله، الذي هو قانون الحركة في الاقتصاد، فقد يصبح صحيحا في السياسة أيضا، ولم يعلق الأمين العام ولم أزد بدوري. لعل تجربة نصف القرن الماضية في الحكم الشمولي هي التي عطلت الفكر العربي عن النمو ومواكبة الصيرورة العالمية، فانتقلنا من ثقافة «قومية» شديدة التداخل بالحكم الشمولي المطلق، وهنا كمثال آخر من مكان آخر، أنقل من ذكريات سياسي عراقي في الستينيات، الوزير الأسبق أحمد الحبوبي، حيث ينقل عن المرحوم عبد السلام عارف انه «يكره اسم الديمقراطية و يسخر من الانتخابات وقيام مجلس نيابي منتخب، وترتسم على وجهه ابتسامة عندما تحدثه في الموضوع ويقول بعد.. بعد .. وكت».. وطبعا لم يأت الوقت حتى اليوم! بعد الثقافة السياسية القومية ولجنا في شق ضيق يتحكم فيه شيخان للدين، واحد منهما كثير العلم قليل الأيمان بالحداثة، سوغ القمع وبرره بما يختاره من النصوص، وآخر كثير الأيمان قليل العلم بما يجري حوله، معادٍ للحداثة، وهما ليسا شخصين محددين، ولكنهما تياران وجدا الفرصة من خلال الصراع الدولي و المحلي ليروجا فكرهما بما يملكان من أدوات نصية، فسببا جزئياً هذا المأزق الذي نعيش. لقد استخدم مفهوم الإسلام السمح استخداماً تعسفيا وُسوق ثقافيا للتطرف من الجانبين، وليس غريبا مثلا أن يتحدث رجل مثل المرحوم سيد قطب في الستينيات عما سماه «الإسلام الأميركي»! معبرا عن ضيقه بأميركا، ثم يأتي شخص آخر مثل بن لادن ليتحدث عن هزيمة أميركا «بالإسلام»، وهنا يتحول فكر الأمة وعقيدتها إلى وسيلة لغايات في نفوس البعض! ولعل الاثنين يفسران لنا جزءا من مدرسة العلم و التبرير من جهة، و الجهل و التنفير من جهة أخرى. من هنا فان مهمة «مؤسسة الفكر العربي» أكبر من أن تكون تجمعا غير واضح للمشتغلين بهموم الأمة، بل يتعداه إلى تكوين مدرسة حديثة تطلق البحث العلمي في جميع العلوم الدنيوية، فتبدأ بفتح ولو بوابة صغيرة للخروج من المحنة الثانية، باعتبار أن المحنة الأولى هي عندما أغلق باب الاجتهاد، واعتبرت العلوم بأنواعها بدعة واستخدام العقل إثم، وأصبح أي فكر يحمل اجتهادا دنيويا أو دينيا فعلاً محرماً يستحق اشد العقوبات. ـ كاتب كويتي