الثلاثاء 30 شعبان 1423 هـ الموافق 5 نوفمبر 2002 خلال الشهر الجاري وعلى شبكة الانترنت وبالتعاون مع موقع اسلام اون لاين يصبح موقع الحضارة الاسلامية الذي اسسه مجموعة من كبار العلماء المسلمين من العرب ومن غيرهم من المقيمين في المملكة المتحدة جاهزاً لاستقبال الزوار من المبتدئين والمتخصصين الراغبين في التعرف على تاريخ الحضارة الاسلامية منذ بدء انطلاقتها الى لحظة توقفها عن المد العالمي، ثم تراجعها ـ في مرحلة تالية ـ عن موقع الصدارة والتأثير. وقد تزامن مع كسوف شمس الحضارة الاسلامية استيقاظ اوروبا من كوابيسها المفزعة، وبدأت تكتشف العالم من حولها برؤية جديدة لم يكن لها عهد بها من قبل. ولقد حاولت اوروبا التخلص من إرثها القديم ومن تقاليدها البالية، ونظمها الدينية المترهلة وكسرت الاصفاد والاغلال التي كبلها بها القساوسة والرهبان والطبقة العليا من رجال الدين، وتحرروا من المركزية البغيضة التي منعت البحث العلمي، واتهمت العباقرة والعلماء بالهرطقة او الجنون. ولعل خير شاهد على تلك الهمجية والفوضى ما حدث لجاليليو الذي ذهب ضحية الجهل المطبق، وشاهد اكبر على الانفصام النكد بين الدين وبين العلم في الغرب. وقد كان من الطبيعي في تلك الاجواء ان يتم التصادم بين الارادة الشعبية في نيل المعرفة والوصول الى الحقائق من جهة وبين القبضة البابوية التي لا تريد ذلك ولا تقر به من جهة ثانية. وسواء قصد الغربيون او لم يقصدوا التعتيم على دور الحضارة الاسلامية في صناعة النهضة الحديثة بل واضطلاعها بالجزء الاكبر منها، فانهم اهملوا تدوين انجازات الحضارة الاسلامية على مدى الف عام من الزمن!! هل حدث ذلك نتيجة للمشاعر السلبية والاحكام المتحيزة ضد الدين بسبب ما احدثته الكنيسة من جروح وآلام؟ وهل كان ذلك بسبب ما ترسب من قناعات عميقة لها جذور طويلة تحكي عن قصة الانفصام النكد بين الدين وبين العلم في اوروبا؟ هذه الاسئلة وغيرها تحتاج الى المزيد من الدراسة والبحث لاجل اكتشاف الاسباب الحقيقية التي ادت الى هذه الجناية العظمى في حق الانسانية وليس في حق الاسلام وحده. اذ ان ما بنته هذه الحضارة لم يكن خاصا بالمسلمين ولم يكن حكرا عليهم، كما انه جاء نتيجة الاستفادة من الحضارات الانسانية، والجهود العلمية التي سبقت في تاريخها الزمني مجيء الاسلام كالحضارتين اليونانية والرومانية. ولان ميراث الانسانية الاكبر هو العلم، وليس الصراع والحروب واستلاب الثروات واكل القوي للضعيف، فكل محاولة لتشويه ذلك الارث العظيم إنما هي جناية على الفكر الانساني وليس تقليلا من اثر الدور الكبير الذي قام به علماء المسلمين في الماضي فحسب. كما ان كل نفي او تهوين من دور الحضارة الاسلامية في صناعة هذا النجاح العلمي الذي نراه اليوم هو اجتراء صريح على مباديء الانصاف والعدالة، والموضوعية، والامانة في النقل والتحقيق. ان الف عام من تاريخ الحضارة العالمية مفقود.. وهذه الالف عام تعود في وجودها وتكوينها الينا، فأين نحن من القيام بواجب اعادة كتابة تاريخ الحضارة الانسانية، وسد الفجوة الزمنية الهائلة بين الحضارتين الرومانية واليونانية من جهة، وبين الحضارة الاوروبية من جهة تالية. لقد فقد الرابط الطبيعي، والموصل الحقيقي الذي ربط بين الحضارات الانسانية في القديم والحديث بل واصبح الحلقة الاقوى التي مهدت لكل هذا السيل من التكنولوجيا والاكتشافات العلمية الحديثة، الف عام من تاريخ الحضارة مفقود، وعلينا نحن تقع تبعة تعريف العالم به، ولفت الانظار اليه ويبقى السؤال الاهم: هل علينا ان نقدم انفسنا للناس من خلال هذا المفتاح؟ ام ان هناك جهلاً مركباً هو اسوأ من هذه النتيجة بكثير يتجسد في غياب الوعي بالطريقة الصحيحة التي نقدم بها انفسنا للعالم؟!! ربما تكون الاجابة اكثر إيلاماً من حقيقة تجاهل الحضارة الاسلامية، واسقاط الاعتراف بدورها في تاريخ الحضارة الانسانية!!