الثلاثاء 30 شعبان 1423 هـ الموافق 5 نوفمبر 2002 لمن لا يزال غير مصدق لمدى الحالة المزرية التي وصلنا إليها كعرب، عليه أن يقرأ بامعان التقرير الأميركي الخطير حول ما سموه بـ «دمقرطة الشرق الأوسط» وهو التقرير الذي نشرته «البيان» أول أمس الأحد. هذا التقرير كان يفترض أن يعلنه كولن باول وزير الخارجية الأميركية علناً قبل اسبوعين، لكن ولأسباب مختلفة تقرر تأجيل الإعلان عنه رسمياً لمدة شهرين. النقاط الرئيسية في التقرير لا يمكن تلخيصها في سطور بسيطة، لكن يمكن القول بصفة عامة انه يتحدث وكأن المنطقة العربية عبارة عن جثة هامدة أو أرض فضاء، يقوم خلالها الجراح الأميركي باعادة انشاء أو خلق كيان جديد يفصله حسب مقاسه الخاص دونما اعتبار للبشر الموجودين في هذه الرقعة الجغرافية التي يعتبرها الأميركيون شرق اوسط وليست من منطقة عربية. اذكر منذ منتصف الثمانينيات ومن خلال كل الصحف التي عملت بها ومعظمها ذات اتجاه قومي، كنا دائما نتحدث وننشر كثيراً عن المخططات الأميركية والصهيونية لتفتيت وتقسيم منطقتنا العربية الى كانتونات ودويلات، وكانت صحف أخرى كثيرة تتهمنا بأننا نهول ونخترع أشياء لا وجود لها، ونخاف من العفريت الأميركي الإسرائيلي. وشخصياً كنت اعتقد عبر قراءتي ان مخطط التفتيت موجود، لكنه قد لا يكون بالصورة الضخمة التي كنا نتحدث بها، حتى بدأت الصورة تتضح شيئاً فشيئاً وجاء تقرير الخارجية الأميركية الأخير ليؤكد بوضوح ودون مواربة أن المخطط يجرى اعداده ودراسته وتعديله وتنقيحه منذ سنوات. لكن المفاجأة التي ازعم انها اصابت كثيرين من اصغر مواطن حتى أكبر مسئول عربي اطلعوا على فحوى التقرير هي ان كثيرين لم يكونوا يتوقعون كم ونوع هذه البجاحة والصفاقة الأميركية التي فاحت بها لغة التقرير الذي يتحدث على سبيل المثال وليس الحصر عن ضرورة اقامة دولة قبطية في مصر و4 دويلات طائفية في العراق ودويلة في السعودية، ومحاصرة سوريا بين الأردن المطور والعراق المحتل أميركياً، مع تغيير كل النظم العربية لتتفق والمزاج الأميركي. ومصالح إسرائيل التي يبدو ان التقرير الذي وضعه رجالها في أميركا سيوكل إليها مهمة إدارة شئون المنطقة بالنيابة. خطورة التقرير أنه يتحدث عن «قولة حق يراد بها باطل». فهو يذكر كلمات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في كل سطر من سطوره، وهي أشياء نتمنى جميعا ان نستيقظ في الصباح لنراها وقد عمت في منطقتنا، لكن التقرير نفسه، مدفوعاً بغرور القوة، يتحدث بوضوح أن الهدف من كل ذلك ليس من أجل سواد عيوننا كعرب ولكن لتحقيق المصالح الاستراتيجية الأميركية. هل نلوم أميركا على تسريبها هذا المخطط أو حتى حينما تقوم وتشرع بتنفيذه؟ ونستمر كعادتنا دائماً في الشجب والادانة واللطم كما تفعل النساء العاجزات في مأتم عزيز قوم مات؟ تقديري الشخصي انه لا يمكن لوم أميركا بالمرة.. فهي تسعى لتحقيق ما تعتقد أنه أمنها القومي سواء بالسيطرة على النفط أو تحقيق الأهداف الصهيونية أو أي ما تراه في صالحها، والمفروض اننا كعرب نقاوم بكل ما نملك لوقف تنفيذ هذا المشروع. قد يسأل البعض وكيف تكون المقاومة ونحن في حالة تشبه الهزيمة الكاملة الساحقة والماحقة! جوابي المتواضع هو أنه ينبغي علينا ان نصلح من أمر أنفسنا أولاً، ولن يتم ذلك إلا عندما تحترم الحكومات شعوبها، هذا الاحترام يعني اشاعة الحريات ووقف الفساد.. إلى آخر القائمة المعروفة للجميع.. اذا حدث ذلك أو الحد الأدنى منه، ستقوى الحكومات بشعوبها الحرة، لأن العكس هو الصحيح تماماً. وقتها أيضاً لن تدخل أميركا من باب الاصلاحات كما فعلت هي وإسرائيل مع عرفات وسلطته. المأساة أن كل ما كنا نعتقده أسوأ سيكون هناك الاسوأ منه إذا تحقق السيناريو الأميركي، البعض كان يعتقد ان البلقنة واللبننة أو حتى الصوملة هي اخطر ما ينتظرنا لكن مشروع السيد بوش وإدارته الصهيونية يخبرنا ان الاسوأ لم يأت بعد، فأحد الاقتراحات في التقرير يقول ان احدى الدويلات التي ستحاول واشنطن احداثها لن يحكمها عربي خائن أو حتى قرضاي عربي درس في واشنطن، بل شركة بترول أميركية..!! تصوروا كيف وصل الهوان بنا. صحيح: من يهن يسهل الهوان عليه، ما لجرح بميت ايلام. يا كل عربي من المحيط إلى الخليج.. الفرصة لم تفت بعد، ومازال أمامنا بعض الأمل شرط ان نستيقظ من السبات العميق، وإلا «فالمستقبل اسوأ من قرن الخروب»!! emadiraqi@yahoo.com