الاثنين 29 شعبان 1423 هـ الموافق 4 نوفمبر 2002 العلة التي اعتقد انها هي السبب في تأزماتنا غير المبررة، والتي تعطل الكثير من المشاريع والافكار الحيوية، هي علة متعلقة تماما بالنظرات التي تتعالى في احيان كثيرة على كثير من الافكار البسيطة والجيدة.. احد اصدقائي الذين اشترك معهم، كما اعتقد في صراخ مستمر منذ سنوات حول حال المؤسسات الثقافية، وقد قلنا فيه بالامس عن فوضاه المعاشة، قال لي بالحرف الواحد: «انته رابط راسك بدون ويع»، و«الويع» هنا تعني «وجعاً» وتعني ألماً، وتعني صداعاً مزمناً ايضا، ولا اعرف السبب الذي جعله لم يعلق زيادة على هذه الجملة لا شارحا ولا جارحا، واكتفى بالقول بلهجة مستعارة «يا اخي سيبك» هناك مؤسسات ثقافية، وهناك في النهاية عمل ثقافي ورعاية ابداعية على قدر الحال، وبقدر ما تتحمله الساحة الثقافية اصلا.. «فضها سيرة، وبلاش تلوك كلام لكناه منذ سنوات وبقى الحال على ما هو عليه إلى اليوم». ولانني لاحقت صاحبي هذا بالامس، مكالمات، و«مسجات» لكي استثيره الى حوار ادق ولم احصل منه الا على تلك التعليقات آنفة الذكر.. هذا واحد من المحبطين، رغم انه صاحبي ويعز علي، لكنه محبط، ولا استطيع مجاراته في هذا الاحباط، ولا السكوت على الاحباط، لانني بكل بساطة اعتقد ان المجتمعات التي تريد الذهاب الى طموحاتها واحلامها لا يمكن ان تدرك كلمة «احباط» في قاموس عملها.. وحتى لا يتسم هذا الحديث ايضا بالفوضى كما هو حاصل في الساحة الثفافية «ان جاز لنا ان نسميها ساحة» وهي خالية، فانني ادعوكم فقط لتأمل ملامح هذا الحال الفوضوي.. المؤسسات الثقافية او المعنية بالثقافة، او تلك التي علقت «نوف» العمل الثقافي على بوابتها مفتخرة لا تعترف بشيء اسمه تخصص نوعي، فكل المؤسسات الثقافية تقيم انشطة يمكن وصفها «بالكوكتيل»، وكلها تقدم في الموسم الواحد الانواع والاجناس، كل المؤسسات تقيم امسيات شعرية، وكلها تقيم معارض تشكيلية، وكلها تنظم معارض كتب، كبيرة او محدودة، وكلها تكرم، وكلها تقدم محاضرات في الشئون الاجتماعية والاقتصادية والمالية والسياسية والادبية، وكلها تستضيف، وكلها تودع، على المنوال نفسه، تصدر كتبا في كل المناحي والاجناس.. وينشأ عن عدم التخصص هذا، كما قلنا بالامس، تراكمات كمية لا علاقة لها بالنوع والتفرد والتخصص، وبدلا من ان تشكل هذه الانشطة، وهذه الافعال أنهاراً تلتقي وتتقاطع لتصب في النهاية في نهر المعرفة والثقافة الذي يغذي المجتمع وافراده، تتحول الى مباريات ومسابقات، لها علاقة بـ «نحن نظمنا ونحن فعلنا».. واقول للصديق العزيز المحبط، ان امر التخصص المفقود والذي نطالب به هو الحل لكي لا تتضارب الامور ولا تتشابك، وحينما تتحول المؤسسات الثقافية، او تلك التي يهمها العمل الثقافي والتوعوي، الى اسلوب التخصص في الرعاية فانها تفتح المجال للنبت والزرع كي ينمو في مساحات واضحة ومحددة.. وهذا امر سهل وليس صعبا ولا هو بالامر المحبط.. واقول لهذا الصاحب العزيز.. اتحداك ان تثبت لي ان هناك مؤسسة ثقافية عندنا ركزت على نوعية معينة من الرعاية، او تولت مشروعا طويل الامد والى يومنا هذا.. كلها تبدأ الطريق من النقطة نفسها التي بدأتها المؤسسة المقابلة لها، وكلها تنتهي في نقطة، يصبح عندها صحيحا ان تقول: وما الجدوى؟ وما المردود؟ فوضى!!