الاثنين 29 شعبان 1423 هـ الموافق 4 نوفمبر 2002 «عبدالله يوسف علي».. سمعت هذا الاسم لأول مرة وأنا بعد على أبواب اليفاعة طالبا في التوجيهية «أطلقوا عليها في السنة التالية اسم الثانوية العامة».. كنت قد سألت أستاذ اللغة العربية: ـ هل توجد ترجمة للقرآن الكريم. أجاب معلمي ـ رحمه الله تعالى: ـ نعم وقد أنجزها عبدالله يوسف علي. كان الأستاذ «سعد» معلما لا يجيد ضبط الفصل والصف الذي يضم نحوا من ثلاثين فتى بين السادسة عشرة والثامنة عشرة.. ولكنه كان يتدفق علما وسماحة وتهذيبا.. هو الذي لفت نظري الى أهمية العقاد والى كفاحه ومآثره في الفكر والأدب وكان الأستاذ سعد لا يفتأ يترنم بقصيدة لامية من شعر العقاد ـ وهي من أكثر أشعاره صفاء وجمالا يصف بها مدينته الأثيرة أسوان قائلا في مطلعها: بلدة الشمس والجمال كيف لا تنجب الرجال الأستاذ سعد يعلمنا آداب العربية وأسرارها «كنا نقرأ في تلك المرحلة ـ خذ بالك ـ كتابا مقررا بعنوان الأدب التوجيهي لمجموعة من كبار المؤلفين يكفي أن كان بينهم اسم طه حسين واسم أحمد أمين» ولكن لم نكن نعرف أن استاذنا كان بدوره يسهر الليالي ليتعلم ويكتب أطروحة أكاديمية عن «الشعر في صدر الاسلام» على ما أذكر وقد أصبح بعدها الدكتور سعد الدين الجيزاوي استاذا للأدب في كلية دار العلوم. عاش معي اسم «عبدالله يوسف علي» محاطا بهالة من الغموض والأسرار.. والأنوار أيضا.. أليس هو الذي نقل معاني القرآن الكريم الى الانجليزية؟ وحين قدر لي أن أزور نيويورك منذ ربع قرن ويزيد كان أول كتاب اشتريته من دولاراتي الضئيلة وقتها هو ترجمته للقرآن في مجلدين وما زال المجلدان يشغلان مكانهما أو فلنقل مكانتهما في زاوية أثيرة من ركن الكلاسيكيات والتراث في مكتبتنا البيتية المتواضعة بعد إذنك والعامرة أيضا ـ فضلة خيرك. لا أكتمك فالكتاب يتجاوز بدوره مع قاموس «هانز فيهر» من العربية الى الانجليزية وأنا بصراحة أرجع اليهما من وقت لآخر، حين يغمض على فهمي ـ وكثيرا ما يحدث ـ معنى أو ظلال من معنى للفظة عربية لا تسعف فيها قواميسنا التقليدية التي يلذ لها أن تمارس تعذيب الناس حين تطالبهم بصيغة الفعل الثلاثي الماضي المجرد اذا ما سولت لهم نفوسهم أن يطالعوا معنى لكلمة هنا أو استخداما للفظة هناك. يا عم .. يفتح الله.. وأقرأها ـ ولو بالانجليزية ـ عند الخواجة المستعرب الشاطر هانز فيهر «أو فير» واذا ما وجدت شرحا للفظة قرآنية ستجدها مبسوطة مفسرة في انجليزية رفيعة من أرقى ما يكون عند صاحبنا عبدالله يوسف علي. هكذا شغفت بكتاب ترجمة القرآن.. اسلوبه في الترسل ونهجه في الاضاءة والتفسير وحواشيه المفعمة علما وبحثا وكشفا لغوامض المعاني وأخذا بيد قارئه الى حيث كلمة القرآن. كان بديهيا إذن وقد عرفت الكتاب.. أن يتملكني الشغف لمعرفة الكاتب.. من هو وأين ومتى عاش.. وكيف سارت به سفينة الحياة. ولأن لكل شئ ميقاتا دقيقا ومعلوما.. فها أنذا أكتب السطور وأمامي كتاب كامل موضوعه سيرة حياة هذا المترجم الرائد القدير لمعاني القرآن الكريم. قصة حياة عبدالله يوسف علي عبارة عن دراما إنسانية متكاملة الأبعاد.. فيها المعرفة وفيها الصعود وفيها الانجازات وفيها الألم وفيها الفشل وفيها التدهور الى حد المأساة. ولد في 14 ابريل عام 1872 في سورات غربي الهند وينتمي أسلافه الى طائفة البهرة الاسلامية التي يمتد أصلها ـ كما يقول الكتاب الذي أمامي ـ الى الأسرة الفاطمية التي حكمت مصر.. وعندما درس في كامبردج لفت الأنظار عندما كان يكتب ويقدم نفسه باسم عبدالله بن يوسف علي وهي ـ كما لا يخفى ـ عادة عربية لا يعرفها مسلمو الهند وفي الجامعة الانجليزية العربية نبغ عبدالله يوسف في القانون واللغة العربية والأوردو والدراسات الكلاسيكية اليونانية واللاتينية.. وقد كانت دراسة القانون في كمبردج وغيرها من كبرى معاهد انجلترا «الامبراطورية وقتها» هي الجسر الذي عبر عليه الى حيث العمل العام والنضال السياسي والاجتماعي رجال من طراز محمد اقبال الشاعر الفيلسوف ومحمد علي جناح مؤسس باكستان الى جانب جواهر لال نهرو زعيم الهند المثقف المستنير.. بهذا الاستعداد وهذا المستوى الرفيع من التعليم تولى عبدالله يوسف مناصب شتى في حكومة الهند على مدار العقدين الأول والثاني من القرن العشرين والحق أنه كان مقتنعا بدور بريطانيا الامبراطوري في الهند، والحق أيضا أن الانجليز بادلوه هذه العواطف لدرجة أن أوفدوه ضمن الوفود التي اختارتها بريطانيا الى مؤتمر الصلح الشهير في باريس عام 1919. وفي عام 1928 اختاروه ممثلا للهند لدى عصبة الأمم في جنيف. لو شاءت أقداره لانتهى به الأمر وزيرا أو حتى رئيسا للوزراء.. لكن أقداره كانت أرحم وأوسع كرما.. عادت به الى الهند ليترأس كبرى جامعاتها الاسلامية وآبت به الى بدايات عام 1934 الذي قرر فيه أن يشرع في مشروعه العظيم.. مشروع عمره وهو أن ينقل الى قارئ الانجليزية قبسا أو بعض قبس من معاني القرآن الكريم. وبالمناسبة حين بدأ في ترجمة سورة البقرة كان ذلك يوم 8 أبريل عام 1934 ـ يوم عيد ميلاده الثاني والستين ـ فما أشد عزم الرجال! 36 شهرا أمضاها عبدالله يوسف عاكفا على ترجمة معاني القرآن الكريم.. سافر مع الترجمة عبر القارات والأمصار، وحرص ـ كما صرح يوما ـ على أن يزور كل مكان وكل موقع مذكور في الكتاب الكريم ـ في جزيرة العرب على أقل تقدير ـ أنهى الترجمة عام 1937 وكانت نذر الحرب العالمية الثانية تلوح في الآفاق.. وحين اشتعلت نيران الصراع الدولي خلال الأربعينيات نشط صاحبنا للمشاركة في الجهود الدعائية والاعلامية للحلفاء الذين كان يؤمن بمبادئهم ويعترف بفضلهم ـ الانجليز بالذات ـ في تعليمه وتثقيفه.. هذه الجهود نالت من صحته البدنية وقدراته الفكرية بل وكانت على حساب حياته العائلية التي اجتاحتها عواصف الخلاف مما أدى الى فشل زواجه مرتين والى التباعد بينه وبين أبنائه.. كان الرجل روحا قلقة ونفسا هائمة لم تكن تجد راحة ولا تلتمس السلوى إلا عند ضفاف آيات القرآن الذي كان الرجل خادما له وحادبا على آياته المحكمات. وحين حل عقد الخمسينيات من القرن الماضي كان عبدالله يوسف علي على أعتاب مشارف الثمانين.. وحيدا.. معتل البدن، كسير النفس.. يعيش في مدينة لندن التي لم يعد يعرفها ولا عادت تعترف به.. تدهورت أيضا قواه العقلية فلم يعد يهتم بملبسه ولا بهيئته ولا يعرف للنقود معنى ولا قيمة.. حين يعود اليه رشده كان يكلم محدثه باعتزاز شديد عن ترجمته لمعاني القرآن. الأسبوع الأول من ديسمبر عام 1953 شهد موجة برد قارس رهيب اجتاحت مدينة لندن.. عثرت شرطة العاصمة على رجل طاعن في السن يجلس وسط أنواء العاصفة في ميدان الطرف الأغر «ترفلجار» فوق حقيبة ملابس فارغة بملابس مهلهلة ولم يكن في جيبه نقود.. نقلوه الى بيت للإيواء وبعدها الى المستشفى. الى دولة محمد علي رئيس وزراء باكستان. من ميرزا عبدالحسن أصفهاني المندوب السامي لباكستان في لندن أكتب اليكم بشأن شخص أعرفه وأحترمه كما يعرفه ويحترمه مسلمو العالم بفضل الخدمات الجليلة التي أسداها للاسلام خلال حياته عندما أصدر ترجمته للقرآن الكريم الى الانجليزية.. اسمه عبدالله يوسف علي وقد ولد منذ 81 سنة خلت وقد عرفت لتوي أن هذا الرجل المسن الجليل يعاني ضائقة مالية شديدة.. وأكون ممتنا لو خولتموني حق التصرف في هذا الأمر برجوع الحقيقة إذا أمكن.. عزيزي رئيس الوزراء. 11 ديسمبر 1953. عطفا على رسالتي اليكم بالأمس بشأن العلامة عبدالله يوسف علي، أكتب اليكم لأبلغكم مع الأسف بأن الرجل المسكين قد توفي بالمستشفى في الثامنة مساء أمس.. ويؤلمني أن أتصور أن يلقى مثل هذا الرجل المقتدر العظيم مثل هذه النهاية البائسة رحمه الله رحمة واسعة. مندوب باكستان السامي في لندن هكذا انتقل عبدالله يوسف الى دار الخلود وبقي منه ترجمته الراقية لكتاب العربية الأكبر.. وقد حرص مؤلف الكتاب الذي ألمحنا اليه على أن ينشر ضمن صور شخصية قدمها للقارئ ـ صورة لمقبرته في بركوود بمقاطعة «سرى» بانجلترا.. وهي على مقربة من مدفن محمد مرماديوك.. الانجليزي المستعرب المسلم الذي قدم بدوره ترجمة جيدة لمعاني القرآن الكريم. وبالمناسبة.. هذا الكتاب ـ سيرة حياة عبدالله يوسف ـ المترجم الرائد لمعاني القرآن مطبوع في كوالالمبور، ماليزيا ورغم ثراء مادته وعلمية منهجه وغزارة الحواشي والاحالات التي احتواها فقد اكتفى مؤلفه «محمد شريف» بتقديم نفسه في كلمتين ليس إلا على أنه «محلل نظم».. فقط لا غير. أرايت إذن الى هذا التواضع الجم الجميل؟.