الاثنين 29 شعبان 1423 هـ الموافق 4 نوفمبر 2002 كانت البداية احتجاجا على الاستقلالية الاخبارية لفضائية «الجزيرة» القطرية.. تلا ذلك احتجاج على بعض خطباء المساجد في بلدان عربية.. ثم مطالبة بتصفية المدارس والمعاهد الدينية أو تغيير مناهجها. والآن ينتقل الضغط الأميركي الى المسلسلات التلفزيونية. فالادارة الاميركية تحشد ادواتها الدبلوماسية لمنع عرض المسلسل التاريخي المصري «فارس بلا جواد» المعد لشهر رمضان المبارك. والمسسل، وهو من بطولة محمد صبحي، يرتكز الى الوثيقة التاريخية اليهودية المعروفة باسم «بروتوكولات حكماء صهيون» التي تكشف عن مؤامرة صهيونية عظمى لفرض هيمنة يهودية شاملة على العالم. لقد ظهرت هذه الوثيقة في اوروبا عند اواخر القرن التاسع عشر. وبطبيعة الحال تظل الحركة الصهيونية العالمية تتنصل منها وتنكرها حتى يومنا هذا. ولا نحتاج ان نذهب بعيدا لندرك ان اخضاع العالم لاستعمار يهودي شامل هدف اكبر للحركة الصهيونية أمس واليوم وغدا. يكفي تدخل حكومة الولايات المتحدة الآن رسميا لدى حكومات اخرى من اجل حظر عرض مسلسل «فارس بلا جواد». فما هو دخل الدولة الأميركية بأمر يتعلق بمسلك حركة دينية ينتشر انصارها في بلدان العالم، لولا ان جهاز الحكم الأميركي خاضع تماما لارادة هذه الحركة الدينية العالمية؟ لقد تقدمت الحكومة الأميركية باحتجاج رسمي لدى الحكومة المصرية عن طريق القنوات الدبلوماسية المعتمدة.. مطالبة بحظر المسلسل. وذهبت الحكومة الأميركية ابعد من ذلك فأجرت اتصالات مماثلة مع حكومات عربية اخرى تحوطا لحملها على عدم السماح بعرض المسلسل. وفي هذه الاتصالات تتبنى السلطة الأميركية الادعاء اليهودي بأن وثيقة «بروتوكولات حكماء صهيون» ليست صحيحة، علما بأن هذا الادعاء يبقى حتى اليوم مثار جدال تاريخي على اقل تقدير. وورد في الاخبار ايضا ان منظمة يهودية ينطلق نشاطها في الولايات المتحدة ويطلق عليها «رابطة مكافحة القدح والذم» (أي قدح وذم اليهودية واليهود) وجهت رسالة مكتوبة الى ادارة الرئيس بوش وصفت فيها المسلسل المصري بأنه «أحدث حلقة في مسلسل التحريض على معاداة السامية في وسائل الاعلام المصرية». ومن ثم، وعلى اثر هذه الرسالة، كان تحرك الحكومة الأميركية بجهازها الدبلوماسي للدفاع عن الحركة الصهيونية. وحتى لو افترضنا جدلا أن الادارة الأميركية تحركت بدافع حماية اقلية دينية من المواطنين الاميركيين، فلماذا لم تر الادارة داعيا لتحرك مماثل عندما شكت اليها اقلية العرب والمسلمين من الاميركيين قسا من اليمين المسيحي المتطرف يسب نبي الاسلام محمدا صلى الله عليه وسلم وآخر يطعن في الاسلام كعقيدة؟ ان السعي اليهودي لفرض هيمنة صهيونية على العالم بات من مسلمات هذا العصر. والمعادلة من وجهة النظر الصهيونية واضحة: السيطرة على العالم تتحقق من خلال السيطرة على دولة عظمى ذات نفوذ عالمي. والتنفذ اليهودي الراهن في الولايات المتحدة هو تجربة ثانية. ألمانيا كانت التجربة الأولى منذ مطلع القرن العشرين والى ان دحرت المانيا النازية عند نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945. والمرافعة التاريخية المفصلة التي قدمها ادولف هتلر ضد اليهود من خلال كتابه «كفاحي» الذي وضعه قبل وصوله الى السلطة في عقد الثلاثينيات من القرن العشرين، لا تزال حيثياتها سارية المفعول حتى اليوم. لقد سرد هتلر تاريخ وحاضر الاستغلال الاقتصادي والمالي والابتزاز السياسي للأقلية اليهودية الألمانية، مستخلصا ان استكمال السيطرة اليهودية على المانيا ما هو إلا مقدمة للسيطرة على اوروبا ومن ثم على العالم بأسره. وفي هذا السياق شرح هتلر بالتفصيل الوسائل اليهودية المعتمدة للسعي في تحقيق هذا الهدف الأكبر. وعندما تطالع فصول «كفاحي» اليوم فانك لا تملك إلا ان تندهش من انعكاسات الماضي على الحاضر ومن ثم المستقبل. فهتلر يتحدث عن المخطط اليهودي الاعظم للاستيلاء على اسواق المال العالمية والبورصات، وعن الاحتكار اليهودي للنظام المصرفي في الغرب، بقدر ما يتحدث عن الاحتكار اليهودي في تملك وسائل الاعلام والمعرفة الجماهيرية من اجل نشر ثقافة الاستهلاك وما يتبعها من تشجيع الاباحية الجنسية وكافة افكار الانحلال الخلقي. ويتحدث ايضا عن تشجيع الشباب في مختلف ارجاء العالم من التحلل من العقائد الدينية السماوية، وخاصة قيمها السلوكية كالصدق والأمانة والتكافل والمروءة. وبعد، أليس لافتا للنظر ان احتجاجا على مسلسل تلفزيوني عربي يفضح النوايا اليهودية نحو العالم، لا يأتي من الدولة اليهودية وانما من حكومة دولة اخرى؟!