الاثنين 29 شعبان 1423 هـ الموافق 4 نوفمبر 2002 29 أكتوبر 1956 اسرائيل تحتل سيناء. 5 نوفمبر 1956 فرنسا وبريطانيا تحتلان السويس. 6 نوفمبر 1956 اميركا وروسيا تنددان بالعدوان. 7 نوفمبر وقف اطلاق النار.. منذ 46 عاما بالضبط استهدفت ثلاث قوى امبريالية استقلال مصر وتآمرت على تغيير النظام الناصري بالقوة واذلال العرب والمسلمين لحساب اسرائيل... هل يذكركم هذا بالوضع العربي الراهن؟ نعم... فالأوضاع متشابهة ونحن مستهدفون بقوة عظمى اخرى تحمي مصالح نفس اسرائيل... بعد 46 عاما. وكنت منذ سنوات بباريس تحادثت طويلا مع مهندس ذلك العدوان وهو وزير خارجية فرنسا الاسبق كريستيان بينو، وحدثني عن خلفياته وأسراره وهو ما سأنشره على اعمدة هذه الصحيفة لانه ينير الحاضر ويكشف الخفايا. اما اليوم فنعيد للذاكرة العربية هول تلك الأيام بمناسبة نشر وثيقة العدوان موقعة من قبل باتريك دين مدير المخابرات البريطانية وكرستيان بينو وزير خارجية فرنسا في ذلك التاريخ وديفيد بن جوريون رئيس حكومة اسرائيل، حين التقى ثلاثتهم في مدينة سيفر في ضواحي باريس وتم اخفاء سر تلك الوثيقة وهي من صفحات ثلاث تؤكد كما سنرى النوايا الحقيقية والمتضاربة احيانا للمعتدين الثلاثة. فكيف نجح الموقعون ودولهم في الحفاظ على ذلك السرطان اربعين عاما؟ وكيف ضاعت وثيقة الاتفاق في باريس ولندن وهما عاصمتان لدولتين ديمقراطيتين تنشط فيها جامعات عديدة ومراكز توثيق تاريخية شهيرة ومعاهد للدراسات الاستراتيجية. خطة العدوان على كل حال ورغم التمويه والبهتان، فلقد وقع اكتشاف وثيقة اتفاق «سيفر» بمجهود صحفي بريطاني من البي بي سي هو (جيريمي بينيت)، وتم اخيرا عرضها في صحيفة «التايمز» اللندنية ومجلة «يونفل ابسرفاتور» الفرنسية، وتحمل الصفحات الثلاث توقيعات «ديفيد بن جوريون» و«كرستيان بينو» و«باتريك دين» مدير المخابرات البريطانية عام 1956، ولا تحمل الصفحات أي ختم رسمي ولا أية اشارة الى جهة حكومية وتحتوي على سبعة بنود. وقد عثر الصحفي البريطاني على هذه الوثيقة المهمة في الخزائن السرية للارشيفات الاسرائيلية بتل ابيب، ولا يعرف الى اليوم أين ذهبت النسختان الاخريان للوثيقة اللتان رجع بهما الوزير الفرنسي (بينو) ومدير المخابرات البريطانية (باتريك دين)؟ ولا أوضح ولا أفصح من البند الاول للاتفاق الذي يقول حرفيا: «يوم 29 اكتوبر 1956 تقوم القوات الاسرائيلية بالهجوم على مصر وتحتل مساء نفس اليوم قناة السويس». ويقول البند الثاني: «تقوم فرنسا وبريطانيا في اليوم الموالي اي يوم 30 اكتوبر 56 بتوجيه انذار الى «الدولتين المتحاربتين!! اي اسرائيل ومصر. ويضيف البند الثالث بأقصى الوضوح وتمام الافصاح: «وفي حالة رفض الحكومة المصرية الانصياع لانذار الدولتين تنزل قوات فرنسا وبريطانيا في ارض مصر وتدخل في المعركة الى جانب اسرائيل يوم 31 اكتوبر 1956». وتشرح البنود التالية جزئيات التحرك العسكري والتحرك الدبلوماسي للاطراف المتآمرة الثلاثة بمنتهى الدقة. وطبعا على الميدان وقع تنفيذ المخطط بدقة وبالضبط كما بصم عليه الرجال الثلاثة لكن مع تزييف الحقائق، اذ انه بعد العدوان الاسرائيلي يوم 29 اكتوبر اعلنت باريس ولندن «دهشتهما» للمفاجأة وأعلنتا انهما «خدمة للسلام العالمي وللأمن في منطقة الشرق الاوسط فإن حكومة فرنسا وحكومة بريطانيا توجهان انذارا للطرفين المتنازعين مصر واسرائيل حتى يوقفا اعمالهما العسكرية ويجلسا على طاولة المفاوضات من اجل حرية الملاحة في قناة السويس..». وهكذا فإن التاريخ يعيد نفسه بأشكال اخرى وباختلاف الممثلين على المسرح لكن المسرحية واحدة والمؤامرات لا تزال تحاك ضد العرب والدبلوماسية موجودة لتزييف الاحداث. الأمس.. واليوم ونذكر للتاريخ ان واشنطن في ذلك الوقت طلبت من مجلس الأمن ادانة اسرائيل وجاء الفيتو الفرنسي والبريطاني لانقاذ اسرائيل من الادانة الاممية. ذلك ان اميركا عام 1954 كانت تعتبر اسرائيل زائدة دودية بريطانية وكانت واشنطن برئاسة (ايزنهاور) تعتقد ان العرب اقدر على خدمة مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية حتى ولو أبدت اعتراضا على بعض سلوكيات جمال عبدالناصر رحمه الله. وها نحن بعد ستة وأربعين عاما نشهد في قضية العدوان على فلسطين بأن اميركا هي صاحبة الفيتو ضد مشروع ادانة اسرائيل في اي عدوان تقوم به ضد شعب فلسطيني والشعوب العربية. ولكي نفهم كيف اختفت هذه الوثيقة لمدة عقود من الزمن، سأل الصحفي البريطاني احد موظفي الخارجية الذي حضر مؤامرة (سيفر) ولا يزال حيا وهو (السير دونالد لوجان) فقال: «بعد نهاية لقاء (سيفر) اخذنا الوثيقة الموقعة انا وباتريك دين الى رئيس الحكومة البريطاني سير انتوني ايدان فإذا به يغضب غضبا شديدا ويحنق علينا ويزعق قائلا: «لماذا احتفظتم بوثيقة؟ لا اريد اية ورقة مكتوبة ولا اي اثر للقاء (سيفر) ارجعا الى باريس واجلبا كل اثر مكتوب» وفعلا رجعنا الى الخارجية الفرنسية فحبسنا كرستيان بينو في احد المكاتب لمدة خمس ساعات ثم جاءنا ليقول: «انا وبن جوريون نرفض اعطاءكم الوثائق الموقعة لاننا لسنا واثقين من ان بريطانيا ستلتزم بتعهداتها...». هذه بعض فصول تاريخ ذلك العدوان... لنعلم بأن المؤامرات متواصلة حتى ولو تغيرت القوى المعتدية وتغيرت ديكورات الاستراتيجية العالمية، لكن الضحايا هم دائما العرب ومصالحهم ومصيرهم. ـ استاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر