الاثنين 29 شعبان 1423 هـ الموافق 4 نوفمبر 2002 الحياة نهر عظيم، تياره جارف يتحدى السدود والقيود ولا تتسع قدرة بشرية على استيعاب ما فيه من تنوع وألوان وما له من خصوصيات وأبعاد وأغوار، ومن يزعم أنه قادر على استيعاب ما يحمله ذلك النهر العظيم من تنوع وتفاصيل ومعطيات ظاهرة وخفية، ومن ثم على وضع نظام شامل له، في ضوء زعمه أي رؤيته، يضبط الحياة ويحكمها ويصلحها ويكون مناسباً لكل ألوان الطيف وكل البشر وكل الأوضاع فيها، ومن ثم يقنن كل ما يمكن أن تزخر به من قدرة على الإبداع ورغبة مستمرة في التغير، مؤكداً أن ما يضعه فيه ضمان الراحة والسعادة للناس كافة، ولا نقول إنه يوفر لهم الحرية والمساواة والأمن من جوع وخوف. من يزعم ذلك يعش وهماً ويبالغ في ادعاء الوهم ونشره، وربما كان من أسوأ نماذج الحمقى في التاريخ الذين يغتر بهم العقلاء فضلاً عن الجهلاء، وينتج عن تنظيرهم ذاك أخطاء وشرور وجرائم ودمار وموت في حالات كثيرة تجعل نهر الحياة المتدفق أبداً مشوباً بعروق الدم البشري وبأشكال موت الروح والبيئة مما ينعكس موتاً في مجرى النهر.. مجرى الحياة. ذلك لأن الحياة أغنى وأعظم وأقوى من أن تُلجَم بلجام عقل بشر أو تُفرَض عليها إرادة بشر، والحياة التي تضم القدرات الإبداعية لكل المخلوقات وتحركها الإرادة التي تكمن وراء الخلق وطاقة الحياة المتجددة في كل المخلوقات، أكبر وأقوى من كل العقول والإرادات، ويكتسح نهرها السدود في ساعات صحو وساعات غفلة من أولئك الذين يزعمون أنهم يضبطونها تماماً، فكيف لمخلوق أن يضع ذلك الوهم كله في قبضته ويدعي السيطرة على الحياة انطلاقاً من ادعاء بفهم أرقى لها لا يمكن أن يملكه سواه، ويقول بخدمة مصلحة الخلق كلهم بما هو أفضل مما يستطيع الخلق كلهم. وفي الحياة خلق يفهمون مصلحتهم بصورة أفضل بكثير ممن يدعون تدبير شئون الخلق من وراء ستار من الوهم الكاذب بعبقرية عقيم منفلتة من نهري الزمن والحياة!؟ وكيف يجعل لحياتهم نظاماً هو الأول والأخير ولا يأتيه الباطل من أي من خلايا الدائرة المحيطة به؟! أزعم أنه لا يقدم على هذا إلا حمقى الناس ولا يتبعهم بتعصب عُصابي أعمى إلا من هو أشد حمقاً من كل المخلوقات، وما أكثر أولئك فيما شاهدت وسمعت وقرأت. موت النظريات ما من شك في أن كل نظام بشري يشوبه القصور لأنه منتَج عقل بشري لا يتمتع بالكمال المطلق، وكل مصلح اجتماعي جدير بهذا الاسم يعرف هذا ويراجع نفسه ونظريته ويفسح في المجال أمام هذه المراجعة وأمام سبل مراجعة التطبيق والتراجع عند إفلاسه، وذلك تطبيقاً لهذه المعرفة، وهو يستشعر الخطأ وينبه إلى قدرة العلم والخلق على تجاوزه بالعلم والخلق، وهذا ينطبق على الجميع إلا الحمقى من المنظرين وأتباعهم الذين يزعمون أنهم احتكروا العلم وركزوا كل مستقبله ومكتشفاته المستقبلية في نظريتهم، وأنهم احتكروا العصمة والعلم والوعي وفصلوا للناس والحياة نظرية: «ثوباً أبدياً» ذا قماش لا يبلى وطراز لا يقدم؟! وكم من النظريات تجاوزها العلم والزمن وثبت بطلانها وما زال هناك في سفح جبل، كان عامراً بالخضرة قبلها، ماعز يأكل الأشجار المثمرة ويثغوا بأنه الصالح المصلح ابن الصالح المصلح الذي لا تشوب ورْثته عن منظره شائبة، ويدعو وهو يقضم الخضرة المنتِجة من فوق السفح الذي كان مخضراً حتى ساعة قدومه إليه، يدعو إلى إصلاح الحياة على طريقته بتدميرها تماماً على طريقته أيضاً، بضيق أفق، وشهوة سطو وتسلّط، وسعة ذمة وكرش. وعلينا ألا نستغرب، والحال هذا، بقاء نظريات ميتة من دون دفن تنشر ما تنشره في فضاء الحياة، يزعم أتباعها أنها دواء كل داء، وهي داء كل علة، منذ ولدها ذلك العقل الذي تسربت من شقوقه في طقس صقيعي فوق جليد ذي طبقات يلف جغرافية الأرض والنفس والمحيط، فأخذت تسحّ مع حرارة الصراع والصدام اللذين يفتعلهما ويدعو إليهما، حتى وصلت إلى أقاصي الأرض حاملة معها سمومها «ترياقاً» وتدميرها لكل ما يحيط بها دعوة بناء وعلامة مسجلة تشير إلى أنها موجودة تعمل وتصارع وتعيش وتجبر الخلق على أن يعيشوا وفق رؤيتها أو أن يتصارعوا وفق منظورها للحياة والأمور والوصول إلى النتائج المرجوة من الإصلاح، وهي لا تكف عن القول انها تجُبّ كل ما سبقها من عقائد وديانات ونظريات وشخصيات.. إلخ، وأنها تَصلح للخلق في كل أنحاء الأرض، وتصلِح شأنهم بما لا يحتاج سوى للعمل بها من دون سواها؟!. ويكاد هذا يكون شأن كل نظرية من وضع هذا أو ذاك من السياسيين أو المفكرين المنظرين، مع وجود استثناءات في هذا المجال، وهو ما تقره عقول منفتحة على الآخرين والحياة وتريد أن تعرف الحقائق من دون خوف لا من المعرفة ولا من نتائج تلك المعرفة.! في لقاء مع زملاء في اتحاد الكتاب الصينيين في بكين كان لنا حديث جاد حول النظريات وذلك النهر العظيم.. نهر الحياة، وطواف في بعض الزوايا المعتمة للنظريات والممارسات المؤلمة التي نتجت عنها أو تمت باسمها، فقد كان عندهم ثورة ثقافية عانوا منها الكثير، ونظرية لم ينتقدها أحد مدة عقود، ولم توجه انتقاداً جاداً لأخطاء وممارسات في إطار اهتمامها مدة عقود أيضاً، مما خلف الكثير من الأخطاء والمصائب، فدفعوا جميعاً ودفع سواهم ثمناً باهظاً لاعتبارها من دون أخطاء واعتبارها واقعية مطلقة على الرغم من أجنحتها المهفهفة في فضاء الخيال، ولعدم انتقادها للأخطاء، وللنظر إليها على أنها رأس العلم والحكمة؛ وهي في الواقع نوع من الاجتهاد في مجالات يكثر فيها الخطأ والصواب، ومن نوع النظريات التي تحاول أن تضع الحياة في قبضة رجل يقود الرجال من مخاطمهم بديكتاتورية مطلقة لتصنع الديموقراطية بعد القضاء على الناس؟!. ولتقريب الصورة تبياناً لوجهة النظر أستعرت الـ «يانغ تسي» وهو من أعظم أنهار العالم وأعظم نهر في الصين يبلغ طوله 6300 كيلومتر وتبلغ مساحة حوضه مليون وثمانمئة ألف كم مربّع ويهب الكثير من الصينيين الذين يعيشون حول مجراه معظم مقومات الحياة، وحين يفيض يغرق الكثيرين منهم ويدمر بعض حوضه الذي كونه، أقول: هل يمكن وضع مثل ذلك النهر العظيم في زجاجة؟ وهل يمكن ضبط نهر الحياة في نظرية كما تضبط بعض الأنهار بالسدود؟! إن النظرية التي توضع لضبط نهر الحياة العارم، النهر البشري المتدفق عبر امتداد الزمن في شرايين الوجود، تكاد تشبه محاولة وضع «يانغ تسي» في زجاجة، وهذا لا يمكن أن يدوم بفرَض تحققه فضلاً عن أنه لا يخدم الحياة بل يحد من دفق الإبداع فيها. مبدأ بوش فهل يمكن أن يكون ذلك وهل يمكن أن يستمر، وهل يمكن أن يتجدد بأشكال مختلفة ويسوق بأشكال مختلفة أيضاً؟! سؤال طرحته على نفسي وعلى محدثي في معرض تناولي لأية نظرية تزعم العصمة والشمولية وسعة الرؤية لتشمل العالم بينما تتسع الخروق في أضيق دوائر تطبيقها، ويشعر حتى أقرب المسلمين بها والمتبعين لها بضغط حلقتها التي تضيق على أعناقهم، وبالخروق التي تكثر في ثوبها الذي يحاولون مداراة عيوبه وهم يرتدونه ويشعرون بتلك العيوب، ويحاولون ترقيعها من دون جدوى حتى ليضيق الخرق على الراقع. فلماذا يفعل الإنسان هذا، ولماذا تتجدد تلك المحاولات وتتكبد البشرية المزيد من الخسائر والمعاناة وضرائب الدم؟! ها نحن بعد تهاوي الشيوعية والنظرية الماركسية علناً في أرجاء كثيرة من العالم، وتهاويها بشكل غير معلن في الصين من دون ضجيج حيث تتلاشى في ضوء إعطاء الأولوية المطلقة للاقتصاد ولاقتصاد السوق بقيمه وأخلاقه والسلوك الذي يمليه ونتائجه، والتراجع عن تقديم الأولوية للمباديء التي سادت خلال عقود من الزمن الماضي، يأتي رئيس أميركي على قدر غير يسير من الصلف هو الرئيس جورج بوش الابن ليضع العالم من جديد في نظرية: «زجاجة»، شفافة بدرجة كبيرة باسم الانفتاح، ولكنها أشد إغلاقاً وقوة وقسوة من أية زجاجة: نظرية حاول ساسة ومنظرون قبله أن يضعوا فيها نهر الحياة وكانت الحياة أكبر من كل نظرياتهم. وإذا كان نهب العالم والدعوة للسيطرة عليه واحتلال بعض بلدانه بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال السيطرة على الإرادة والقرار، بوسائل على رأسها الابتزاز والتهديد وإفساد الذمم والمباديء بتبادل المصالح أو تهديد المصالح؛ إذا كان ذلك هو استراتيجية أميركية مستمرة تجلت في استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية، حيث يبرز التوجه السياسي القائم على التهديد والعدوان والاحتلال وملاحقة كل المخالفين بالرأي باسم ملاحقة الإرهاب ومكافحته، تسعى الإدارة الأميركية لحشر العالم في زجاجتها، نظريتها التي ترى للعالم لوناً وتوجهاً وطعماً ومستقبلاً من خلال نمط العيش الأميركي والثقافة الأميركية والسلوك الأميركي فقط، وإلا فمبدأ بوش القائم وهو توجيه الضربات الاستباقية المميتة والمدمرة لكل من يرى رؤية أخرى مخالفة كفيل بالمخالفين. وقد نصت تلك الاستراتيجية على مواقف وسياسات لكل منطقة من خلال رؤية أميركية لتلك المنطقة، فعلى سبيل المثال قال الرئيس الأميركي بشأن الصين، تقويماً لوضعها وتصوراً لمستقبل العلاقة معها، قال: «بعد مضي ربع قرن على بدء عملية التخلص من مظاهر الإرث الشيوعي، لم ينتق القادة الصينيون حتى الآن مجموعة الخيارات الأساسية الإضافية حول طبيعة دولتهم. وفي سعيها لتأمين قدرات عسكرية متطورة تتيح لها تهديد جيرانها في منطقة آسيا ـ المحيط الهادي، تتبع الصين مساراً تخطاه الزمن، مما سيعيق، في نهاية المطاف، سعيها لتحقيق العظمة القومية. سوف تجد الصين بمرور الزمن أن الحرية الاجتماعية والسياسية هي المصدر الوحيد لتلك العظمة... ولن تتمكن الصين من بلوغ طاقاتها الكامنة إلا من خلال السماح للشعب الصيني بحرية التفكير والتجمع والعبادة». وفي منظور العلاقة المستقبلية مع خمس سكان العالم يقول: «ونتعاون مع الصين حالياً حيث تتوافق مصالحنا، بما في ذلك الحرب الجارية على الإرهاب، وتعزيز الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية... تحتل الصين المرتبة الرابعة بين شركائنا التجاريين، وتبلغ القيمة السنوية للتبادل التجاري بين الجانبين أكثر من مئة بليون دولار. سوف تدفع قوى مباديء السوق الحرة، وشروط منظمة التجارة العالمية بالنسبة للشفافية والمحاسبة، باتجاه الانفتاح الاقتصادي وحكم القانون في الصين وذلك للمساعدة في قيام حمايات أساسية للتجارة والمواطنين. رغم ذلك هناك مجالات أخرى تعتريها اختلافات عميقة: أولها التزامنا تأمين وسائل الدفاع الذاتي عن تايوان بموجب قانون العلاقات مع تايوان. وثانيها الحقوق الإنسانية، نتوقع من الصين أن تتقيد بتعهداتها في منع انتشار الأسلحة. سوف نعمل على تضييق الاختلافات حيث توجد ولكن لن نسمح لها بإعاقة التعاون حيث نتفق». (استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية نشرة السفارة الأميركية رقم 6311 تاريخ 17 أكتوبر 2002 ص 7 مقتطف من خطاب الرئيس جورج دبليو بوش في أول يونيو 2002 في وست بوينت، نيويورك). خطر أكبر أما بشأن الموقف والعلاقة مع الحضارة العربية ـ الإسلامية كلها فهو يقدم الصراع الذي يخوضه ويرى فيه حرباً صليبية مقدسة كما أعلن في بداية حملته على ما سمي الإرهاب: «قال الرئيس الأميركي أمام مجلسي الكونغرس في 20 سبتمبر 2002 «الحرب على الإرهاب ليست صراع حضارات لكنها رغم هذا تكشف عن صراع داخل حضارة، معركة من أجل مستقبل العالم الإسلامي. إنه صراع أفكار وهذا مجال يجب أن تتفوق فيه أميركا». (نشرة السفارة الأميركية بدمشق رقم 6311 ص 10). فما معنى التفوق الأميركي في إطار حضارة يراها تخوض صراعاً داخلياً؟ وما هو الانتصار الذي تحققه دولة متغطرسة عنصرية تناصر الصهيونية العنصرية مناصرة عمياء في احتلالها لجزء من وطن العرب وللقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين عند المسلمين!؟ هل يخوض حرباً مع فريق في هذه الحضارة ضد فريق؟ ومن هو فريق بوش وماذا يريد؟! هل يهدف إلى أكثر من تصفية حضارة وعقيدة وأمة لينهي صراعاً قديماً سماه حرباً مقدسة؟! وهل يرمي إلى أكثر من تجريد هذه الأمة من كل ما يمكن أن تملكه من علم وعقول وإرادات وأموال وثروات تحمي بها نفسها وتدافع بها عن وجودها ومقدساتها؟! إن ما ينتظر العالم والحضارة والثقافة على يد الديكتاتور الأميركي القادم باسم الحرية وحقوق الإنسان والجشع للنفط، والأسواق المفتوحة، واقتصاد السوق وأخلاق السوق وقيم السوق، سوف يكون أشد ضرراً على الحياة والأحياء من كل ما قامت به الديكتاتوريات والنظريات البائسة عبر التاريخ، وسوف يلحق ضرراً بالبشرية والحضارة يضاهي ما ألحقه أجداده بالهنود الحمر وزنوج أفريقيا وبسكان هيروشيما وناغازاكي وبشعبي فيتنام وكوريا في حروبه المدمرة عليهم. ولكنه لن يوقف نهر الحياة العظيم ولن يحكمه أو يشكمه، فذاك أكبر من كل نظريات البشر. وإن غداً لناظره لقريب. ـ رئيس اتحاد الكتّاب والأدباء العرب