الاحد 28 شعبان 1423 هـ الموافق 3 نوفمبر 2002 ثمة كلمات تولد للفناء.. ثمة كلمات تولد للخلود.. ثمة كلمات تؤدي الغرض منها ثم تأخذ طريقها إلى زوايا النسيان.. ثمة كلمات تغوص في أعماق النفس وتستقر في الوجدان.. ثمة كلمات تحجز لها مكاناً في الذاكرة. ومنذ اللحظة التي شهدت ولادة حوار من نوع آخر بينهما احتفظ كل واحد منهما ـ دونما اتفاق معلن ـ بكل حرف دخل في نسيج هذه الصلة الفريدة المولودة خارج اطار الخيال داخل اطار الحلم. وعندما اكتشفا بعد ذلك هذا التوافق بينهما اتفقا على ان يطلقا على مفردات هذا الحوار اسم «ذاكرة الفرح». وكلما اشتاق أحدهما ان يتنفس هواء نقياً ويتنسّم عبير الحياة عاد إلى فضاء تلك الذاكرة.. هكذا أصبح الابحار فيها متعة كبرى وطقساً فريداً. من وحي ذلك الابحار كان هذا الحوار: قالت له في احدى رسائلها: أمازلت مصراً على فكرة اللقاء هذه؟ ألا تخاف ان يفقد عالمنا الرائع خصوصيته؟ ألا تخشى ان نجرح ذاكرة فرحنا؟ أجابها: ليس إصراراً ياعزيزتي.. ولكنني تذكرت تلك الابيات التي اهديتك اياها لشاعرنا المفضل نزار فانبعثت الفكرة من جديد. قالت له: أي أبيات تعني، فما أهديتني كثير؟ أي تلك الروائع تريدني أن استدعي؟ أجابها: «قد نلتقي في نجمة زرقاء.. لا تستبعدي تصوري.. ماذا يكون العمر لو لم توجدي!» قالت له: كم أحب هذه الأبيات! لكنها تشعرني بأنك تحاول التسلل إلي من أوهى نقاط ضعفي.. النجوم.. لأنك تعرف مقدار حبي لها وأنني لا استطيع مقاومة اغراء لقاء على واحدة منها مهما تناهت هي في البعد، ومهما تهيبت أنا ذلك اللقاء. قال لها: ومن قال لك انني أبحث عن نقاط الضعف فيك كي أتسلل اليك منها؟ ألم تدركي بعد انني اكره الضعف وابحث عن نقاط القوة؟ وانه يسعدني ان تكون نقاط قوتك هي بوابة دخولي إلى عالمك، وليست نقاط الضعف تلك التي تخشين تسللي منها إلى حصونك المنيعة؟ قالت له: وأين هي تلك الحصون المنيعة التي تتحدث عنها؟! فأنا مذ عرفتك وادخلتك عالمي، تاركة لك حرية التجوال فيه، لم يعد لي من الاسوار ما يحمي تلك الحصون التي كنت أخالها منيعة، والتي طالما أحكمت اغلاق أبوابها فاستعصت على الكثيرين قبلك.. لقد اجتاحت جيوشك كل أركانها ولم تعد بها زاوية لم تحتلها. قال لها: ولماذا لا أكون انا ذلك الأسير الذي وقع في الأسر بكامل ارادته؟ ثم هل نسيت انه لا تزال هناك اشياء كثيرة مؤجلة بيننا، اتفقنا على الاحتفاظ بها في أماكن متفرقة لم نحدد بعد موعداً لارتيادها؟ وقد يمر زمن طويل دون ان نفكر في الاقتراب منها أو نحاول ذلك.. ألا يمكن ان نجعل من تلك الأشياء فضاءات نحلق فيها كلما داعب نفوسنا الشوق لتجديد هواء أرواحنا؟ قالت له: أولست انت صاحب نظرية «متعة الانتظار»؟! أم تراك نسيت انك القائل: اننا نتعجل حدوث الاشياء الجميلة غير مدركين ان في الانتظار متعة قد تفوق متعة حدوث تلك الأشياء نفسها؟ وأنك أنت من دعاني إلى خوض هذه التجربة والتلذذ بمتعة الانتظار إن لم اكن قد فعلت بعد؟ قال لها: لم أنس ياعزيزتي انني صاحب تلك الدعوة.. وأذكر جيداً انني قلت لك يومها: كم نحن رائعون حين نوغل في الدروب الوعرة حريصين على ان نزرع في كل خطوة شجرة نتفيأ بظلال الأمل فيها! وكم نحن عجيبون حين نحاول من حين إلى آخر اختبار أنفسنا أمام طبائعنا البشرية! وكم نحن مدينون لعقولنا وهي تقوم بتصحيح مساراتنا وكبح جماح نفوسنا ورغباتها ـ على طهارتها ـ كلما حاولنا الخروج عن القواعد المتفق عليها بيننا. قالت له: أذكر كل ذلك جيداً يا عزيزي.. ولا أنسى انني قد قلت لك يومها اننا نتعجل حدوث الاشياء الجميلة لأننا نتعجل الاحساس بالفرح، ولا أنسى أيضاً انني تساءلت حينها قائلة: هل لأننا نحتاج الفرح فنحن نشتاقه؟! وطلبت منك ان تذكر لي اشياء جميلة انتظرتها فعشت متعة الانتظار، واشياء تستمتع الآن بانتظارها. قال لها: وقد اجبتك عن الشق الأول من سؤالك، وتعمدت عدم الاجابة عن الشق الثاني تاركاً لك قراءة ما بين السطور كما تعودنا ان نفعل كلما تنازعنا الخوف على عالمنا الخاص الذي صنعناه لأنفسنا، والرغبة في ممارسة بشريتنا رغم تواضع مطالبنا وسموها وطهرها. قالت له: ولكن لا تنس انني قد حاولت في مواقف كثيرة ان أترك لك قيادة السفينة ودعوتك لتمارس دورك كربان اتوسّم فيه المهارة والخبرة. قال لها: وكم انا ممتن لدعوتك تلك.. رغم ان اكثر الناس وحدة على ظهر السفينة هو ربانها كما يقولون. قالت له: إلاّ انت أيها الربان السعيد، فأنى لك أن تشعر بالوحدة وأنت تبحر حاملاً معك «ذاكرة الفرح»! قال لها: وأحمل معي الحنين الذي قلت لي انه يفتح دفاترنا المغلقة ويباغتنا ويهاجمنا وكثيراً ما يكسرنا.. ألم تسأليني.. متى أحس بالحنين ولمن أحمله؟ قالت له: وكان حنينك لبدايات الأشياء رغم كل ما يمكن ان يكون قد استجد عليها.. فالبدايات تظل دائماً مبهرة جميلة آسرة.. وقلت أيضاً انك تحن إلى براءة الطفولة وأيامها، واندفاع أيام الشباب الأولى وحماسها، وأشياء كثيرة رغم انكسار بعض الأحلام وخيبة بعض الآمال وانطفاء بعض الشموع.. غير ان أكثر ما حيرني هو قولك ان الحنين ليس ابحاراً في الماضي فقط، ولكنه تطلع إلى المستقبل.. وقد طلبت منك ان تشرح لي ذلك ففعلت ولم تفعل! قال لها: ولكنك قلت ان الحنين متعب رغم عذوبته! وانه كثيراً ما يباغتنا ويأخذنا على حين غرة رغم اعترافنا بأنه يجعلنا في بعض الأحيان لا نعود راغبين في الخروج منه. قالت له: وكان رأيك اننا كثيراً ما نستعذب التعب، وقلت انه كثيراً ما يستهوينا تعب من هذا النوع! فالحنين رحلة ممتعة في الذاكرة.. بها نستعيد اماكن أثيرة لدينا، واناساً أعزاء علينا، ومواقف لها وقع خاص في نفوسنا، وأحداثاً شكلت منعطفات مهمة في حياتنا. نحن دون الحنين ننفصل عن ذواتنا، ونغدو أقرب إلى الجمود منا إلى الحركة. نحن دون الحنين نوغل في دروب الحياة دونما سند من مشاعر وأحاسيس تدعم بنيان نفوسنا. نحن دون الحنين نفقد المجداف والدفة ويضيع منا الاتجاه، فيتلاعب بنا الموج وتمزق اشرعتنا الرياح. قال لها: هل عرفت الآن لماذا نحب سوياً «ذاكرة الفرح» ونحنّ إليها؟ إنها رصيد الأحلام الماضية والمؤجلة.. تلك التي تلوح على البعد بانتظار تحقيقها. انها المرآة الوفية الوحيدة المتّقدة الذاكرة إذا ما صحّ انه حتى المرايا تخونها الذاكرة، ولذلك فهي لا تحتفظ بالوجوه. قالت له: إلاّ مرآتنا.. فهي لا تحتفظ بملامح الوجوه كي لا تخونها الذاكرة.. ولكنها تحتفظ بما هو أعمق منها.. انها تحتفظ بملامح النفوس التي لا تراها العيون ولا تدركها سوى الأرواح والقلوب. قال لها: أما تعبت بعد من سفرك الطويل هذا؟ أما آن لحقائبك ان تستقر في المحطة التي بحثت عنها طويلاً؟ قالت له: كأني بك تشير إلى قولي: «دعني أفرغ حقائبي في محطتك.. فقد طال سفري»؟ قال لها: آه لو تعلمين كم يقلقني سفرك الطويل هذا وكم تؤرقني الخواطر والفكر! أخشى ان يطول السفر فتعتادي الغياب. قالت له: وأنا أخشى الاعتياد على ما هو أصعب من الغياب. قال لها: وهل هناك ما هو أصعب من الغياب ياعزيزتي؟! قالت له: يبدو انني أنا الذي سأحيلك إلى شاعرنا المفضل نزار هذه المرة. قال لها: الى أي رائعة من روائعه؟ قالت له: «إعتيادي على غيابك صعب واعتيادي على حضورك أصعب»!!!