الاحد 28 شعبان 1423 هـ الموافق 3 نوفمبر 2002 مرة اخرى نتساءل: ما هو الارهاب؟ ابتداء نظرت الكلمة بالانجليزية في قاموس اوكسفورد وهي Terrorism فاكتشفت اولاً انها مصطلح وليست لفظة عادية فقد روعي في حرفها الاول (T) ان يكون حرفاً كبيراً اي Capital. اما تعريف معنى الكلمة على هذا النحو فهو: بث حالة من الترعيب عن طريق استخدام العنف من اجل غاية سياسية. اذن ينطوي المعنى على عنصرين اساسيين: غاية، ووسيلة. اما ان يصف القاموس في هذا السياق الغاية بأنها «سياسية» تحديداً وضربة لازب، فإن هذا الوصف مضافا اليه استعمال الحجم الكبير في الحرف الاول يعني ان كلمة «ارهاب» باللغة الانجليزية فقدت معناها اللغوي المجرد لتصبح في هذا العصر احد المصطلحات الحديثة في علم السياسة. لكن القاموس يتفادى التعرض للشرعية او اللاشرعية. هو يفيدنا بأن هناك غاية «سياسية» من وراء «الارهاب» بالمصطلح الحديث. ويفيدنا بأن العنف هو الوسيلة بالضرورة. واذن فان سكوت القاموس ـ المفترض ان يكون وثيقة علمية حيادية ـ لا منشوراً دعائياً ـ عن شرعية او عدم شرعية الغاية او الوسيلة يعني استنتاجا ان المعنى يشتمل على الحالتين في آن معاً. فهناك اذن غايات سياسية مشروعة واخرى غير مشروعة.. وان استخدام العنف كوسيلة لتحقيق غاية سياسية يمكن ان يكون في حالة ما مشروعا وفي اخرى غير مشروع واذا كان الاحتمالان مشمولين بتعريف مصطلح «الارهاب» فإن معنى ذلك ان هناك نوعين من الارهاب: مشروع وغير مشروع. هذا التعريف العلمي الحيادي هو الذي يجعل قادة الحكم في الولايات المتحدة يتعمدون ان تبقى كلمة «الارهاب» في سياق السياسة الامنية الاميركية مبهمة دون تعريف او تفسير حتى لا يقعون في «فخ» المشروعية واللامشروعية. ولكن متى يكون الارهاب مشروعاً ومتى يكون غير مشروع؟ الارهاب كما نرى يمارسه افراد ومنظمات وحكومات، والفيصل بين المشروعية واللامشروعية يتمثل اولاً وابتداء في الغاية السياسية. ولتحديد مدى مشروعية او لا مشروعية اي حالة فإن المرجعية يجب ان تكون مرجعية قانونية دولية كميثاق الامم المتحدة او بنود القانون الدولي او الاعلان العالمي لحقوق الانسان.. لا ان تكون مرجعية الطرف الخصم. ولننظر في أبرز حالتين لمشروعية الغاية السياسية: حالة تنظيم معارض في دولة ما غايته السياسية هي الوصول الى الحكم.. وحالة تنظيم وطني في بلد خاضع لاحتلال اجنبي غايته السياسية هي التحرر من الاحتلال. ان كلا من هاتين الغايتين مشروع. ولكن ماذا عن الوسيلة؟ ان الوسيلة الطبيعية المشروعة في اي من الحالتين هي العمل السلمي القانوني من خلال الحريات المدنية الأساسية المعترف بها دولياً.. ومن بينها حرية التنظيم وحرية التعبير.. لكن السؤال الذي يجب ان يطرح هو: ماذا لو حظر على اي تنظيم ممارسة العمل السلمي القانوني؟ لو عممنا حكماً جزافياً كاسحاً بأن استخدام العنف كوسيلة نضالية يعتبر ممارسة غير مشروعة في كل الاحوال والحالات دون استثناء.. فكم من الثورات والزعامات الثورية في التاريخ يمكن ان تعتبر «غير مشروعة»؟ دون ان نعي سوف نجد انفسنا ندين الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر التي افرزت اعلان حقوق الانسان.. والثورة الروسية ضد الاقطاع في عام 1917 والثورة الجزائرية ضد الاستعمار الاستيطاني الفرنسي.. وهل نعتبر زعامة جمال عبدالناصر غير مشروعة وكذلك زعامة ماوتسي تونج لأن كلا منهما وصل الى السلطة بأسلوب الانقلاب او الثورة المسلحة؟ ان اللجوء الى العنف يكون مداناً وغير مشروع على الاطلاق في حالة توفر وسائل التعبير والتنظيم السلمية تحت ظل سيادة القانون والقضاء المستقل في اطار نظام سياسي تعددي. فالديمقراطية التعددية هي الاساس. والسياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة تجاه شعوب العالم بما في ذلك الشعب الاميركي نفسه باستخدام شعار «مكافحة الارهاب» دون تعريف محدد لمعنى «الارهاب» هي التي تهدد الديمقراطية وقيمها في اي مكان لأنها تؤدي بالضرورة الى نسف سيادة القانون.. وهكذا نرى منظمات وقيادات بل وافراداً عاديين يؤخذون بالشبهة لا بالأدلة مما يستلزم تعطيل النظام القضائي واختراق حرمة الخصوصية الشخصية. وبنفس القدر نرى منظمات تحررية كفصائل المقاومة الفلسطينية و«حزب الله» تصنف كعصابات ارهابية. وهكذا تزداد صورة الولايات المتحدة وضوحاً يوماً بعد يوم كأكبر قوة ارهابية عرفها التاريخ البشري.