الاحد 28 شعبان 1423 هـ الموافق 3 نوفمبر 2002 على الرغم من الخلافات التي سادت بين العراق وسوريا في العديد من المحطات التاريخية والتي تمثلت اساسا في اتجاهين: الأول: الخلاف الذي برز بينهما خلال الحرب العراقية ـ الايرانية وانعكس على العلاقات بين البلدين قطيعة سياسية وامنية. والثاني: الخلاف الذي جرى داخل حزب البعث العربي الاشتراكي وانتهى الى انقسام الحزب بين البلدين. على الرغم من هذه الخلافات فإن وقائع تطور العلاقات السورية ـ العراقية تؤكد ان الحقيقة القومية هي اقوى من اي خلاف طاريء بينهما لهذا السبب او ذاك، هذه الحقيقة تشكل في العمق جوهر السياسة السورية، حيث سرعان ما تقفز هذه الحقيقة الى قمة الدبلوماسية السورية حينما تتعرض الدول العربية للمخاطر الخارجية، كما انها قد تفجر الشارع السوري في لحظات حساسة، ولا اعتقد ان احدا سينسى التظاهرة الاحتجاجية الضخمة التي شهدتها دمشق قبل سنوات قليلة وانتهت الى مهاجمة السفارة الأميركية وانزال العلم الأميركي من عليها، احتجاجا على العدوان الأميركي على بغداد. الحديث عن هذه الحقيقة في السياسة السورية يكتسب اهمية خاصة في ظل التصعيد الأميركي الجاري ضد العراق والتهديد بالعدوان عليه، وفي العمق ثمة مخاوف سورية من ان تكون الضربة الأميركية المنتظرة للعراق بمثابة فاتحة لسلسلة من الأحداث التراجيدية على شكل حروب محلية واقليمية تنتهي برسم خريطة جديدة للمنطقة. وعلى الرغم من ان الخريطة الجديدة هذه ستكون مفتوحة على كل الاتجاهات والاحتمالات والخيارات إلا انها تحمل في ثناياها معادلة استراتيجية تقوم على قلب الموازين في الشرق الاوسط لصالح اسرائيل ونزع الجانب العربي عمقه الاستراتيجي في الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وانطلاقا من هذه المعادلة فان لسوريا اسبابا كثيرة لمعارضة ضرب العراق. ولعل أول هذه الاسباب هو ان سوريا التي تقدم اولوية الصراع العربي ـ الاسرائيلي على كل اولوية اخرى ترى في الضربة الأميركية خطوة اولى في استراتيجية معلنة قد تكون هي هدفها الثاني او الثالث.. فالاستراتيجية الأميركية بعد الحادي عشر من سبتمبر تحمل سياسة عولمة الأمن، حلقة حلقة، وهذه الاستراتيجية تنطبق على جميع الدول العربية دون استثناء، بما فيها الدول التي كانت تعد حليفة للولايات المتحدة، كل دولة حسب ظروفها وخصوصيتها، فالتيار اليميني المتشدد الصاعد في الولايات المتحدة يرى في الجميع دائرة جيوسياسية واحدة، اضحت مستهدفة بشكل مباشر. وثاني هذه الاسباب هو ان الضربة الأميركية للعراق تحمل معها مخاطر التقسيم، لا تقسيم العراق الى دويلات طائفية وعرقية فحسب، انما تفجير خريطة الانقسامات الاجتماعية والسياسية والعرقية في المنطقة ككل، طبعا لا بهدف الحرية كما تتدعي الادارة الأميركية انما بهدف ادخال المنطقة في دوامة مفتوحة من الحروب والصراعات الصغيرة هنا وهناك، تنتهي باضعاف الجميع في خريطة جيوسياسية باتت مطلوبة بكل ما فيها، ولا يخفى على احد ان سوريا هنا مفردة محورية في هذه الخريطة الحيوية، لها القوة السياسية في الادارة والصراع والارادة والتحرك واتخاذ الموقف والقرار في قضية الصراع العربي ـ والاسرائيلي، ولا يخفى على أحد ان اليمين المتشدد في الادارة الأميركية بدأ يضغط لنزع كل هذا من سوريا تحت عناوين دعم ما تطلق عليه اسم الارهاب الفلسطيني واللبناني (حماس، الجهاد، حزب الله). وثالث هذه الاسباب هو ان الضربة الأميركية للعراق تشكل ضربة لعلاقات سوريا التي تحسنت كثيرا مع العراق في السنوات الأخيرة، كما انها تشكل ضربة لجهودها الرامية الى اعادة العراق الى النظام العربي والدولي، بعد ان نجحت خلال قمة بيروت الأخيرة في تحقيق خطوة مهمة في توجه العراق نحو المصالحة مع الكويت، ولا يخفى على احد ان العراق انتهج بعد هذه القمة سياسة ايجابية عربيا ودوليا، حققت لها بعض النتائج الدبلوماسية، ومن شأن كل هذا استعادة بعض الوضع العربي قبل حرب الخليج الثانية، وهو امر مرفوض اميركا واسرائيليا. ورابع هذه الاسباب هو ان سوريا وعلى الرغم من ان علاقاتها مع النظام العراقي لم تصل الى مرحلة الوئام بعد فإنها تفضل هذا النظام على الاتيان بنظام موال للولايات المتحدة، من شأنه ان يشكل حلقة او دائرة غير مستقرة في وقت تقدم فيه سوريا اولوية الصراع على الأولويات الاخرى، وفي العمق فإنها لا تريد ان تصبح بين فكي كماشة، يزيد من صعوبة تحركها ومهامها ويضغط على نحو يخدم اسرائيل ومشاريعها الهادفة الى السيطرة على المنطقة أمنا واقتصادا، ودمج هذه المشاريع في الاستراتيجية الأميركية، كما ان من شأن اقامة النظام الموالي لأميركا في العراق قطع الطريق أمام بناء العمق السوري ـ العراقي ـ الايراني المنشود لمواجهة المشاريع الأميركية والاسرائيلية. هذه الاسباب وغيرها كافية لمعارضة سوريا اي ضربة أميركية للعراق، وبهدف منعها او تأجيلها او حتى التخفيف من اثارها فيما اذا حصلت، فان الحركة الدبلوماسية السورية باتت تتجه اكثر فأكثر الى موقف عربي مشترك، وهي بشكل ادق تركز على السعودية ومصر، في قدرة هذه الدول الثلاث المحورية عربيا على اتخاذ موقف عربي حازم من شأنه توجيه رسالة في اكثر من اتجاه مفادها ان ضرب العراق، قضية تمس النظام العربي. وأهمية هذا الموقف انه اصبح ضروريا اكثر من اي وقت مضى، فمن شأنه نقل المواقف العربية التي تتراوح بين الرفض والرفض الخجول والانتظار الى موقع الوضوح والحسم لا في رفض الضربة فحسب وانما في افشال اهدافها ان لم يكن منعها، بل ان هذا الموقف العربي المنشود يشكل اهم عامل في دعم مواقف فرنسا وروسيا والصين في مواجهة واشنطن ولندن اللتين تخوضان معركة في المحافل الدولية لانشاء تحالف دولي في الحرب المبيتة ضد العراق.. ومن شأن هذا التحول لا دفع المجتمع الدولي الى رفض ضرب العراق فحسب، بل دفع الادارة الأميركية نحو المزيد من العزلة الدولية والخلافات الداخلية وصولا الى الصدام، وبغية دفع الأمور في هذا الاتجاه فان العرب بحاجة الى حركة دبلوماسية قوية، لا خدمة للعراق فقط بل خدمة للقضية الفلسطينية التي بدأ الاهتمام العربي والدولي بما يتراجع، وعند هذه النقطة ينبغي ان تكون الحركة الدبلوماسية العربية متكاملة شاملة على مستوى الصراع، بمعنى اذا كانت الحجة الأميركية في كل ما يجري هي الاسلحة العراقية فينبغي ان تكون هناك مطالبة قوية بأن اخلاء منطقة الشرق الأوسط من اسلحة الدمار الشامل يجب ان يشمل اسرائيل ومخزونها من اسلحة الدمار الشامل، فمن غير المنطق والمعقول ان تتحجج اميركا بالاسلحة العراقية في وقت تهدد ترسانة الاسلحة الاسرائيلية المنطقة بأكملها وتؤمن واشنطن الحماية لهذه الترسانة. الحقيقة القومية بين دمشق وبغداد مرورا بالقاهرة والرياض.. بحاجة الى التفعيل والارادة والحركة وصولا الى جعل هذه الحقيقة قضية العرب في المحافل الدولية بدلا من جعل واشنطن هذه المحافل مطية للاعتداء عليهم في الزمن الذي تختاره هي. ـ كاتب سوري