الاحد 28 شعبان 1423 هـ الموافق 3 نوفمبر 2002 حسناً فعلت القيادة العليا في البحرين عندما قررت اجراء مصالحات تاريخية مع شعبها وذاتها وايضا اجراء انتخابات برلمانية في اطار مشروع اصلاحات عصري شجاع ايا كانت نسبة الوفاق له او عليه. وحسناً فعلت المعارضة البحرينية بأنها عندما قررت المقاطعة للعملية الانتخابية مصيبة كانت او مخطئة لم ترفق ذلك العمل بتخطئة القيادة في مشروعها الاصلاحي او تستفزها في معركة داخلية تضعف وفاق البحرينيين حول ضرورة الاصلاح والمسيرة الديمقراطية. انها من ميزات وفضائل شعب حي وناضج وقيادة واعية تعرف ما تريده وجسورة تقبل بالتحدي، فلا الشعب باحث عن دور «الكومبارس» حتى وان كانت المسرحية جادة ومفيدة وفاعلة ولا القيادة باحثة عن نسبة 100% وبأي ثمن كان من اجل تلبية رغبة فردية او فئوية في اطار مسرحية هزلية. حتى المشاركون في الانتخابات من فريق منطق المعارضة لم يكونوا «مندلقين» كما يقول اخوتنا اللبنانيون على الحكم «السلطة والكرسي» بل دخلوا في سباق وتنافس انتخابي جاد مع فريق الحكومة لممارسة اللعبة الديمقراطية كاملة ومن دون مجاملات. الزائر للبحرين في هذه الايام يعيش بكل جوارحه نهضة مملكة حديثة فتية تسعى لأخذ دورها الجاد والمسئول في معادلة صنع القرار الاقليمي والدولي. خلية نحل حقيقية في حقل الاجتماع كما في حقل الثقافة كما في حقل الفن والعمارة والادب فضلا عن الاقتصاد والسياسة والحوار سيد الموقف. دوحة للحوار هي منامة البحرين اليوم يتلمس وقائعها الزائر للمملكة الفتية اليوم في اسارير البحرينيين كما في مناقشاتهم كما في انشطتهم التي تصبح بها نواديهم و«مآتمهم» وبيوتهم فضلا عن أروقة صنع القرار وصالونات السياسة والديبلوماسية ودائما بأريحية البحريني التي تنفد وحيويته التي تترجل من افئدة الناس ولا اجسامها. حوار مع كنائس الشرق الاوسط، وحوار مع الجيران كما مع اليابان واوروبا وأميركا، وقبل ذلك وبعده حوار مع الذات اي بين ابناء البيت البحريني الواحد لكنه المتنوع والمتعدد ضمانا لنجاح مبدأ الحوار مع الآخر وتكريسه. ان تكون بحرينيا اليوم يعني ان تقول نعم اولاً، ثم تقول ولكن، وهذه نعمة جديدة او متجددة للبحرين شعبا وحكومة وملكاً وهي البلاد العريقة في شغفها للاستزادة من العلوم وايجاد التراكم في العمل المطلبي والديمقراطي والنقابي والحزبي. ان تقول نعم للاصلاح ونعم للمسيرة الاصلاحية ثم تضع شروطك لنجاح اللعبة الديمقراطية مستخدما الحوار المفتوح والشفاف والمكاشفة والصراحة مع «الخصم» السياسي أو اللاعب على الطرف الآخر من المعادلة الرياضية هو عين الحكمة والعقل ايا كانت النتائج او الحصيلة او الثمار متواضعة. وحدهم القائلون ان «القليل المتصل خير من الكثير المنقطع» هم الرابحون في مسابقة «خذ وطالب» المتحركة والسيالة في عالم السياسة الديناميكي. اما المصرون على مبدأ «اما كل شيء او لاشيء» فان الزمان لن يتوقف منتظراً اياهم تصميمهم لصعود قطار الحركة السريع في المحطة التي يريدون والحكمة تقول «مالا يدرك كله لا يترك جله». يقول المثل الصيني الشعبي: ان اردت ازدهاراً لمدة سنتين ازرع رزاً وان اردت ازدهاراً لمدة 10 سنوات ازرع شجراً وان اردت ازدهاراً لمئة سنة فازرع شعباً الذي يعرف البحرين عن قرب ومنذ زمن بعيد يعرف ان الشعب المزروع فيها يصلح لازدهار قرن بكامله في بلاد حضارة الدلمون. الزائر للبحرين اليوم يلحظ بوضوح كيف ان ابناء هذا البلد الحي يجددون جلودهم ويطهرون ابدانهم وينقون دماءهم يومياً بكيمياء الحوار المفتوح بلا حدود. نهضة مرموقة وسط شعب صغير نعم، وفوق خارطة جغرافية صغيرة نعم، لكن حجم تأثيرها سيكون اكبر بكثير مما يتصور. حسناً لمست قيادة البحرين الفتية مبكراً مؤشرات موجة الاصلاح والتغيير المندفعة من وراء البحر ايضاً وليس فقط من عمق الداخل العريق فكانت حكيمة في التقاطها لاتجاه الريح وحكيمة اكثر في استباق الطوفان أو العاصفة. واذ يقول الحديث الشريف: «الارواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف». فإنه حسناً عملت قيادة البحرين ايضاً وايضاً عندما قررت ان تتعرف على تفاصيل ما يدور وسط شعبها بدقة اكثر فاكثر فكسبت الرهان واكتسبت المزيد من الدعم والمساندة وهي تقود ائتلافاً واسعاً من اجل التقدم بالبحرين باتجاه المزيد من الانجازات الحضارية والثقافية بعيداً عن عقدة من يقدم التنازلات لمن؟ ومن يعتذر لمن؟ ومن يعفو عن من؟ في وقت تسير القافلة العالمية متسارعة لا ترحم من يتخلف عن مواكبتها. انه عصر الشعوب المنتصرة على انانياتها عصر الشعوب التي تعض على جراحها من اجل القضايا الكبرى التي تحيط بها والمباديء والقيم الاكبر التي تسعى لانجازها. وخطوة الالف ميل تبدأ بخطوة واحدة. وشعب البحرين يستحق ان يكون في طليعة عصر الشعوب لانه اثبت في اكثر من محطة تاريخية حتى الآن بانه لائق لمثل هذه المكانة في ايام العسر كما في ايام اليسر، وفي الضراء كما في السراء من عصر الشعوب والامم. وهو اليوم في تجربته الجديدة والمتجددة يكرس موقعه التاريخي الذي يستأهله اياً كانت نتائج الانتخابات البرلمانية ومهما دار الجدل بين ابنائه حول التقصير او القصور الظاهر من بعض ابنائه او صناع القرار فيه. وحدهم المراكمون والذين يؤمنون بتواصل الاجيال سيكسبون الرهان ولو كره الحاسدون أو المثبطون. ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الايراني