الاحد 28 شعبان 1423 هـ الموافق 3 نوفمبر 2002 ما أكثر الملاحظات التي يمكن أن توجه للسياسة الليبية، وما أكثر الاعتراضات التي واجهها الرئيس الليبي معمر القذافي على مدى ثلاث وثلاثين سنة من حكمه، تراوحت فيها المواقف الليبية بين الثورية والاعتدال، وبين طلب الوحدة العربية بأي ثمن إلى اعلان الكفر بالعروبة، ومن الصدام المرير بأميركا إلى تهدئة الموقف معها. لكن ذلك كله شئ، وقرار الانسحاب من الجامعة العربية شئ آخر. ما سبق كانت مواقف تخضع للمراجعة، تحركها أحيانا حماسة شباب آمن بالعروبة وحاول تجسيد شعاراتها في واقع حي، وتحركها أحياناً قلة الخبرة السياسية وسط غابة من المؤامرات الخارجية والداخلية، ويحركها أحيانا إضطراب في الرؤية بعد خيبات أمل عربية وفي ظل حصار دولي قاس ومع جراح تزداد آلامها مع اتساع الهوة التي تسير إليها الأمة العربية. ومع ذلك فالنظام في ليبيا الشقيقة يتحمل أيضا نصيبه الكبير في كل ما حدث.. فالحلم العربي لم يكن ممكنا تحقيقه بالوحدة التي أعلنت ذات مرة مع مالطا، ولا بتوسيع رقعة الخلافات العربية، ولا بتبديد الجهد والطاقة مع مغامرين إنتهازيين، وإنما بتقديم نموذج للنهضة يعتمد على التنمية المستقلة والديمقراطية الحقيقية والإيمان بأن كرامة المواطن.. هي أساس كرامة الوطن. وهو ما حاول عبدالناصر في تجربته الثرية، ونجح فيها إلى حد كبير حتى داهمه زلزال هزيمة 67. تقييم التجربة ومع الاعتراف بأن إمكانيات ليبيا غير إمكانيات مصر، وعبدالناصر غير القذافي، والظروف الدولية والاقليمية غير الظروف، فإن أي بناء جديد على طريق الوحدة العربية والنهضة القومية لن يكون ممكنا إلا إذا كان استكمالاً لمسيرة الأمة في سنوات الازدهار.. يستفيد من التجربة، ويبني على ايجابياتها، ويصحح أخطاءها. وليس هذا بالطبع مجال تقييم التجربة الليبية ولا محاسبتها، ولكننا فقط نلتفت إلى هذه التجربة بقدر ما هو ضروري للحديث عن الخطوة المثيرة التي اتخذتها ليبيا الشقيقة بإعلان الانسحاب من جامعة الدول العربية. وهو الإعلان الذي نجح الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى ـ في لقائه مع العقيد القذافي ـ في تجميده لبعض الوقت يتم فيه التشاور بين القادة العرب في محاولة لإنهاء الأزمة. إننا هنا أمام موقف مختلف عن مواقف ليبية سابقة صاحبتها الإثارة. فالطلب الليبي يعني ـ أولا ـ تجسيد ما أعلنه الأخ العقيد القذافي قبل ذلك من ابتعاد ليبيا عن عروبتها وتركيزها على انتمائها الافريقي. والطلب الليبي يعني ـ ثانيا ـ فتح الباب لانفراط ما تبقى من العقد العربي بعد أن ظلت الجامعة العربية ـ على ضعفها ـ قادرة على تحقيق الحد الأدنى من التعاون العربي الذي حفظ لها البقاء. والطلب الليبي يعني ـ ثالثا ـ فقدان الأمل في أي صمود عربي للعواصف الهوجاء التي تهب على المنطقة والتي يبدو النظام العربي عاجزا غاية العجز عن التعامل معها. ومن السهل بالطبع الرد على هذه الاستنتاجات: ـ فما أعلنه العقيد القذافي قبل ذلك عن القطيعة مع العرب والتوجه لأفريقيا باعتبارها الهوية الحقيقية للشعب الليبي.. تم التعامل معه باعتباره تعبيرا عن نوبة غضب مضادة من الأخ العقيد ليس أكثر ولا أقل، فالهوية العربية للشعب الليبي ليست رداء يلبس وينزع بقرار وإنما هي حقيقة وجوده التي تعلو فوق كل السياسات والتوجهات والأفكار. أما أفريقيا فلا تعارض بين الانتماء اليها والهوية العربية وإنما هي علاقة ثرية تتكامل ولا تتصادم، وتحقق ـ لو تمت على الوجه الأكمل ـ الخير لأفريقيا وللعرب.. أفارقة أو آسيويين. ـ والجامعة العربية لم تكن يوما كيانا مستقلا عن كيانات أعضائها، بل هي التجسيد الحي لهم، وكما يكون العرب تكون جامعتهم.. إذا اتحدت الكلمة وتعزز التعاون المشترك أصبحت منظمة فاعلة، وإذا ضاعت البوصلة التي تهدي والقيادة التي تلهم، وتفرقت الجهود، وانفرط العقد، أصبح حالها ـ كما هو الآن ـ مجرد شاهد على ضعف العرب وعجزهم. إنها مسئولية الدول العربية التي استكانت لعجزها، فحولت الجامعة من أداة للعمل المشترك إلى سرادق دائم للعزاء في آمال الشعوب العربية وأحلامها. ـ والطلب الليبي ـ في توقيته ـ صدم الكثيرين. فالأمة تجتاز فترة من أسوأ الفترات التي مرت عليها في العصر الحديث، والتحديات هائلة، وحرب الإبادة يواجهها شعب فلسطين وحده، والعدوان الأميركي على العراق مسألة وقت وغطاء دولي يستر عورة واشنطن وهي تقوم بجريمتها. وكشف الأهداف الأميركية في المنطقة لا يشمل فقط منظمات المقاومة الوطنية في فلسطين ولبنان، ولا الدول التي تدعم هذه المقاومة وحدها، وإنما الوطن العربي كله أصبح مطلوباً على اللائحة الأميركية باعتباره مصدر الارهاب الذي يهدد أمن أميركا ووجود اسرائيل.. يستوي في ذلك الدول المتمردة على سطوة أميركا وهمجية اسرائيل، أو الدول التي كانت ـ حتى وقت قريب ـ في خانة أصدقاء واشنطن أو حتى حلفائها! الكل الآن في قائمة الاتهام، وعلى لائحة المطلوبين، حتى تستكمل واشنطن مخططاتها في الهيمنة الكاملة الشاملة على المنطقة.. ببترولها وثرواتها، وتفرض إرادتها الكاملة وتسحق أي مقاومة حتى ولو كانت ثقافية.. فهل هذا هو الوقت المناسب لقرار ليبيا بالانسحاب من الجامعة حتى لو ارتدى ثوب الاحتجاج على عجز عربي بلغ حد الفضيحة؟! التساؤل هنا مشروع، ولكن قبل أن نصل إلى نهاية هذا الطريق، دعونا ننظر الى الجانب الآخر من الصورة، ودعونا نترك التاريخ الأليم والتجارب المؤسفة وراء ظهرنا ونركز البصر على اللحظة الراهنة ونحاول التعامل معها بأكبر قدر من المسئولية، ودعونا نسأل ـ بكل حسن نية ـ لماذا لا يكون القرار الليبي صيحة ألم من واقع مرير، ونداء تحذير من مستقبل تهدده الأهوال؟ وإذا لم يكن كذلك فلماذا لا نجعله نحن بداية للمواجهة بدلا من أن يكون بداية انفراط ما تبقى من العقد العربي؟ نعم.. لماذا لا يكون القرار الليبي صيحة ألم من واقع مرير، يتعرض فيه شعبنا العظيم في فلسطين الشهيدة لكل همجية النازية الجديدة بينما الصمت هو القرار العربي في مواجهة ذلك! ويتعرض فيه شعب العراق لحصار الجوع منذ عشر سنوات ثم تحشد له الدولة الأعظم قواتها تمهيدا لعدوان تنطلق فيه الطائرات الأميركية ـ للأسف الشديد ـ من قواعد عربية لتضرب بغداد بأحدث ما في ترسانة أميركا من أسلحة الدمار الشامل.. بينما الحكومات العربية تكتفي بترديد أنها تعارض العدوان، وكأن العدوان سيقع على بوركينا فاسو، وستنطلق فيه الطائرات الأميركية من فلوريدا وليس من الأراضي العربية الشقيقة!! ولماذا لا نعتبر القرار الليبي صيحة تحذير تقول إن هذا لو تم لكان نهاية النظام العربي الحالي، بل وللدول العربية بحدودها الحالية.. فاحتلال العراق وتركيع الفلسطينيين لن يكون إلا بداية السقوط العربي الكبير الذي سيترك آثاره الوبيلة على الأمة العربية كلها لأجيال قادمة. ولن يقلل من ذلك القول بأن النظام الليبي نفسه يتحمل جزءا من المسئولية ـ وربما أكثر من غيره ـ عن هذا الوضع المزري الذي وصل اليه النظام العربي. ولن يقلل من ذلك أن يقال أن النظام الليبي لم يتحمل مسئوليات كان لابد أن يتحملها في دعم أشقاء أو حشد الجهود أو رص الصفوف لمواجهة التحديات. قد يكون ذلك صحيحا أو غير صحيح، ولكنه لن يقلل من إمكانية أن نقف أمام الخطوة التي أعلنتها ليبيا بعزمها على الانسحاب من الجامعة العربية لنسأل أنفسنا: لماذا.. وكيف وصلنا الى هذا المستنقع.. وكيف نخرج منه.. وهل نستطيع؟ ولقد كانت هناك تحركات عربية كثيرة بعد هذه التطورات، ولعل من أهمها الاتصالات التي جرت بين مصر والسعودية، ولعلنا نتأمل تصريحات وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل بعد لقائه بالرئيس المصري في القاهرة حين أكد أن الشعور السائد بين قيادتي البلدين هو أن هناك عجزاً عربيا في مواجهة القضايا التي تواجهها الأمة، وهو عجز لا يتوافق مع الحضارة والإمكانات العربية. الاعتراف بالعجز وما يهمنا هنا هو هذه اللغة الجديدة التي أصبح المسئولون العرب يتحدثون بها عن الواقع العربي الأليم، حيث أصبحوا يعترفون بالعجز ويطالبون بحشد الجهود للمواجهة. وقد كنا حتى وقت قريب نصرخ مع غيرنا في البرية مطالبين بالتحرك العربي ومنددين بهذا العجز الذي لا نستحقه، وكان رد الفعل الرسمي يتراوح بين الصمت غير الجميل أو الرضا الكاذب بانجازات وهمية أو انتصارات مختلقة! الآن يدرك الجميع حجم الهوة التي تساق إليها الأمة، ويفزع الجميع من حالة العجز التي أصابت الحكومات العربية.. والأهم هو الادراك بأن هذا العجز ليس حكما نهائياً على أمة تملك كل امكانيات النهوض ثم تبددها بلا منطق مفهوم. وإذا كان المسئولون العرب قد اتفقوا على اجتماع لوزراء الخارجية العرب في الأسبوع المقبل، فإننا لا ننتظر الكثير من هذا الاجتماع، فالمهمة المطلوبة أكثر أهمية وأشد تعقيداً من أن يتم إنجازها إلا في قمة استثنائية تنطلق من حقيقة أساسية وهي أن حالة العجز العربي التي أشارت إليها ليبيا وهي تعلن قرارها بالانسحاب من الجامعة العربية ليست قدراً مكتوباً على الأمة العربية، وهي لا تتوافق ـ كما قال المسئول السعودي ـ مع الحضارة أو الامكانيات العربية. إذا انطلقت القمة الاستثنائية المطلوبة من هذا اليقين فكل شئ قابل للمعالجة التي تبدأ بالنقد الذاتي وتحمل الدول العربية للجزء الأكبر من المسئولية عن الوضع المتردي الذي تعيشه الأمة ولا تستحقه. وإذا انطلقت القمة الاستثنائية من هذا اليقين فإنها تستطيع أن توجه رسالة جادة للعالم كله وللولايات المتحدة بالذات. رسالة تقول إنها قدمت آخر ما عندها من تنازلات في القضية الفلسطينية حين وافقت على مبادرة بيروت التي داستها الدبابات الاسرائيلية والطائرات الأميركية في اليوم التالي، وأنها تضع دول العالم ـ وأميركا في المقدمة ـ أمام مسئولياتهم، وأنها لن ترضى بالدخول في متاهة مفاوضات وهمية لكسب الوقت حتى تثبت اسرائيل أقدامها في الأرض المحتلة وتنتهي أميركا من تدمير العراق. بل تطالب بقرار دولي يرغم اسرائيل على الانسحاب من الأرض المحتلة كمدخل وحيد لتحقيق السلام في المنطقة، وبدون ذلك فعلى أميركا ـ بحكم موقعها المركزي في قيادة العالم ومسئوليتها المباشرة في دعم العدوان الاسرائيلي ـ أن تتحمل النتائج. وإذا انطلقت القمة الاستثنائية من هذا اليقين فإنها تستطيع أن تقلب الأوضاع بالنسبة للعراق إذا أعلنت مصالحة عربية عامة تشمل تطبيع العلاقات العراقية ـ الكويتية وتنهي المسائل المعلقة بين البلدين، وإذا تبنت قراراً يعيد الحياة لاتفاقية الدفاع العربي المشترك ويبحث قضية القواعد الأجنبية على الأراضي العربية، وليمنعها على الأقل أن تكون منطلقاً للعدوان على دولة عربية، وإذا اعتبرت العدوان على العراق ـ بعد قبوله كل القرارات الدولية دون قيد أو شرط ـ عدوانا على كل الدول العربية. مثل هذا الموقف وحده هو القادر على إنقاذ الموقف، وهو الذي يجبر دول العالم على تغيير حساباتها، ويفرض على أميركا وأد مخططاتها لاعادة رسم خريطة المنطقة في غياب العرب وعلى حسابهم. ومثل هذا الموقف هو الذي يتفق مع حضارة الأمة وامكانياتها البشرية والمادية، وهو الذي يمنع استقالة النظام العربي الراهن بأكمله من التاريخ، أو انتظار استخراج شهادة الوفاة الرسمية لمؤسساته التي تحولت الى شواهد على اغتيال أحلام أمة لا تستحق بأي حال من الأحوال أن يحكمها من يعترفون على الملأ بأنهم ـ أمام كل هذه التحديات ـ بلا حول ولا قوة!! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية