الاحد 28 شعبان 1423 هـ الموافق 3 نوفمبر 2002 ما هي حصة المثقف العربي من مجموع المواد الاعلامية المعروضة على شاشات التلفاز؟ وما هي طبيعة المعرفة المكتسبة من تلك البرامج التي ترفع لواء البحث عن الحقائق، بينما يغيب عنها ابسط قواعد الحوار الفعال؟ واين هي المواد الاعلامية الجيدة التي تحترم عقل المشاهد، وتجيب عن عشرات الاسئلة المرتبطة بموضوعات ثقافية جادة وقادرة على ان تناقش قضايا الفكر والثقافة برؤية علمية تجتهد في تقديم الحقائق، بلغة مهذبة وعرض ممتع وفعال؟!! ان من اهم خصائص البرامج القادرة على اثراء عقل المشاهد واضافة الجديد الى مخزونه من الوعي والمعرفة التزامها بالمنهجية في التحقيق، والموضوعية في السرد.. والواضح غياب مثل هذه الادوات الفعالة عن تلك البرامج القائمة على فكرة الصراع بين الفرقاء والانداء، الذين يعتمدون في عرض مواقفهم الفكرية والسياسية على مهاجمة الطرف الآخر والصاق ابشع انواع التهم به، ضاربين عرض الحائط بأبسط قواعد الحوار، وتبادل الرأي!! ومن شأن تلك الاجواء الاحتقانية ان تنقل المشاهد الى اجواء تضج بالعنف، وتهدف الى نبذ الآخر، والالقاء به على قارعة الطريق!! وكأن ما بين الفريقين ليس مساجلة كلامية وانما هي معركة وجود او فناء!! خاصة اذا تبنى الطرف الآخر ذات الادوات وارتضى المواجهة مع الخصم بنفس العدة والعتاد!! الامر الذي من شأنه ان يطبع في ذهن المشاهد تصوراً سلبيا عن الطريقة المناسبة لعرض وجهات النظر المختلفة، كما يصيبه بشيء من الاحباط وخيبة الامل في حصوله على عرض علمي ومسئول لتلك الموضوعات التي يتم تناولها بهذه الطريقة الانفعالية التي غلب فيها صوت القوة اللفظية على الحقيقة الموضوعية!! بل ان الحقيقة في اغلب تلك الجلسات الحوارية أمست هي الذبيح الاول الذي يسفك دمه من اجل اثبات الذات، وتعزيز الموقف الشخصي دونما حاجة الى الرجوع الى الحقائق، لكونها في مثل هذه المساجلات الاعلامية لم تعد ذات قيمة تذكر، او تستحق المزيد من الالتفات اليها!! ومع استمرار هذه الوتيرة من البرامج سريعة الطلقات، بل واستنساخها في محطات تلفزيونية اخرى تعترضنا العديد من الاسئلة ومنها: ما هي الفوائد المتوخاة من مثل هذه العروض النارية؟ وهل تكفي الاثارة الاعلامية وحدها لتكون مبرراً لاشعال حرائق فكرية لا تعود على المشاهد بأي طائل اللهم سوى اصابته بالدوار واخذه لبعض المسكنات بعد انتهاء تلك البرامج!! وثمة مسألة تستحق البحث ومعروفة لدى اهل الخبرة والنظر وهي ان صاحب الحق لا يحتاج الى استخدام وسائل بدائية لاثبات حقه، انما تطلق لسانه الحقائق التي بين يديه، والتي تحميه من الحاجة الى الاعتذار عن مواقف قد يندم عليها. ثم ماذا عن الديمقراطية التي سفك دمها هي الاخرى على مائدة تلك البرامج؟ هل يمكن بعد تلك الماراثونات الكلامية التشدق بالاستعداد للدخول في اجواء انتخابات حرة ونزيهة بينما ضاقت الصدور عن تحمل اللقاء مع الخصم ساعتين من الزمن؟! ابهذا الاسلوب تتأسس الديمقراطية، ويهيأ المناخ الاجتماعي قبل السياسي للاستعداد لتحمل تبعاتها التي هي ضريبة واجبة في اعناق الراغبين فيها؟ أليس ما يجري في تلك العروض الاعلامية هو ديكتاتورية كبرى يباد فيها الخصم، وتوجه اليه اللكمات المؤلمة؟! ثم هل يقوى امثال هؤلاء المتوترين على احتمال المشاركة السياسية طالما ان المخالف للفكر مرفوض حتى الرمق الاخير؟ ان آلاف الاسئلة من شأنها ان تنفجر من صهريج الينابيع الحارقة التي اضرمت تحتها النار، تلك القنابل البشرية الموقوتة التي شكلت فلول المتحمسين للديمقراطية، اولئك الذين لا يعرفون ابجدياتها، ولا يستطيعون التعايش مع مناخها الربيعي الصحو، لانهم ببساطة شديدة في خريف دائم!!